محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٣٩
جهة مصلحة تقتضي إيجابه. وجهة مفسدة تقتضي حرمته، و هكذا. و قد سبق الكلام فيه أيضاً. و ذكرنا هناك أن هذا النوع من التزاحم خارج عن محل الكلام بالكلية، و ان الأمر فيه بيد المولى. و عليه ان يلاحظ الجهات الواقعية و الملاكات النّفس الأمرية الكامنة في الأفعال الاختيارية للعباد، فيجعل الحكم على طبق ما هو الأقوى و الأهم منها دون غيره، و اما إذا لم يكن أحدهما أقوى من الآخر بل كانا متساويين. فليس الحكم في هذه الصورة التخيير. كما هو الحال في التزاحم بين الأحكام بعضها مع بعضها الآخر. ضرورة ان التخيير فيها غير معقول فلا معنى لتخيير المولى بين جعل الحكم على طبق هذا و جعله على طبق ذاك. فان جعله على طبق كليهما غير معقول. و على وفق أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، مع انه بلا مقتض، فاذن يسقطان معاً، لأن الملاك المزاحم بالملاك الآخر لا أثر له أصلا، فعندئذ يمكن للمولى ان يجعل له الإباحة، و كيف كان فهذا التزاحم خارج عما نحن فيه، و لذا لا يمكن البحث عن جريان الترتب فيه و عدم جريانه، كما ان في فرض التساوي بينهما ليس الحكم فيه التخيير مع انه مقتضى القاعدة في التزاحم بين حكمين مجعولين، و في فرض عدم التساوي الترجيح يكون بيد المولى دون العبد، و هذا بخلاف التزاحم المبحوث عنه - هنا -.
الثالث - التزاحم الناشئ من عدم قدرة المكلف اتفاقاً، كما هو الحال في التزاحم بين وجوب إنقاذ غريق و إنقاذ غريق آخر، فيما إذا لم يكن المكلف قادراً على امتثال كليهما معاً.
الرابع - التزاحم الناشئ من جهة وقوع المضادة بين الواجبين اتفاقاً، فان المضادة بينهما إذا كانت دائمية فتقع المعارضة بين دليليهما، لوقوع المصادمة عندئذ في مرحلة الجعل، لا في مرحلة الامتثال و الفعلية.
الخامس - التزاحم في موارد اجتماع الأمر و النهي فيما إذا كانت هناك ماهيتان متعددتان، و لم نقل بسراية الحكم من إحداهما إلى الأخرى، بناء على ما هو الصحيح