محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٧٩
و اما المقام الثاني (و هو ما إذا كان الواجبان المتزاحمان متساويين و لم تحتمل أهمية أحدهما على الآخر أصلا، أو احتملت أهمية كل منهما بالإضافة إلى الآخر) فلا مناص من الالتزام بالتخيير فيه، ضرورة انه لا يجوز رفع اليد عن كليهما معاً فهذا لا كلام فيه، و إنما الكلام في ان هذا التخيير عقلي أو شرعي.
و قد اختار شيخنا الأستاذ - قده - في المقام ان التخيير عقلي على عكس ما اختاره في المسألة المتقدمة، و هي ما إذا كان كل من الواجبين المتزاحمين مشروطاً بالقدرة شرعاً.
و غير خفي أن كون التخيير في المقام عقلياً أو شرعياً يرتكز على القول بإمكان الترتب و استحالته.
فعلى الفرض الأول لا بد من القول بكون التخيير عقلياً.
و الوجه في ذلك واضح، و هو ان لازم هذا الفرض ثبوت كل من التكليفين المتزاحمين على نحو الترتب و الاشتراط، بمعنى ان فعلية كل منهما مشروطة بترك امتثال الآخر و عدم الإتيان بمتعلقه خارجاً، فان معنى الترتب من الجانبين يرجع إلى تقييد إطلاق كل من التكليفين بعدم امتثال الآخر.
و من المعلوم ان هذا التقييد ليس أمراً حادثاً بحكم العقل فعلا، بل هو نتيجة اشتراط التكاليف بالقدرة عقلا من الأول، فان ذلك الاشتراط يقتضى هذا التقييد من الجانبين إذا كانا متساويين، و من جانب واحد إذا كان أحدهما واجداً للترجيح، و ليس معنى التخيير - هنا - تبديل الوجوب التعييني بالتخييري، ليقال انه غير معقول، ضرورة انه باق على حاله، غاية الأمر ان المزاحمة تقتضي رفع اليد عن إطلاقه، لا عن أصله، فان الضرورة تتقدر بقدرها، بل معناه هو تخيير المكلف في إعمال قدرته في امتثال هذا أو ذاك، و هذا نتيجة عدم قدرته على امتثال كليهما معاً من جانب، و عدم الترجيح لأحدهما على الآخر من جانب ثان، و عدم جواز رفع اليد عنهما معاً من جانب ثالث.