محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢١٨
عالم التكوين، فكما يستحيل انفكاك المعلول عن علته التامة، فكذلك يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه.
فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين هي انه إذا كان هناك دليل آخر يدل على نفي هذا الحكم عن موضوعه الثابت بحاله لا بانتفائه، فلا محالة يقع التعارض و التكاذب بينه و بين دليله في مقام الإثبات و الدلالة، فان دليله يقتضى ثبوته لموضوعه على تقدير وجوده في الخارج، و ذاك يقتضى نفيه عن ذلك الموضوع على هذا التقدير. و من الواضح جداً ان الجمع بينهما غير ممكن لاستحالة الجمع بين الوجود و العدم في شيء واحد، و النفي و الإثبات في موضوع فارد.
و صفوة القول: ان التنافي بين الحكمين في مقام الجعل و الواقع بالذات أو بالعرض يوجب التنافي و التعارض بين دليليهما في مقام الإثبات و الدلالة و لأجل ذلك كان كل منهما في هذا المقام يكذب الآخر فلا يمكن تصديق كليهما معاً و الأخذ بهما، فلا محالة يوجب الأخذ بأحدهما رفع اليد عن الآخر و بالعكس - مثلا - الأخذ بالدليل الدال على وجوب القصر - مثلا - في المسألة المزبورة، أو على وجوب الجمعة في يوم الجمعة لا محالة موجب لرفع اليد عن الدليل الدال على وجوب التمام، أو على وجوب الظهر، و الأخذ بالدليل الدال على جواز الجمع بين فاطميتين كما هو المشهور يوجب لا محالة رفع اليد عن الدليل الدال على عدم جواز الجمع بينهما. و هكذا.
و من ذلك يظهر ان التعارض بين الدليلين لا يتوقف على تحقق موضوعهما في الخارج بل ثبوت كل منهما بنحو القضية الحقيقية يستلزم عدم ثبوت الآخر كذلك و كذبه في الواقع و مقام الجعل سواء أتحقق موضوعهما في الخارج أم لم يتحقق، فان ملاك التعارض و أساسه الموضوعي كما عرفت هو عدم إمكان جعل كلا الحكمين معاً و ثبوته في مرحلة الجعل و التشريع اما ذاتاً أو من ناحية العلم الخارجي، بل قد يحتمل عدم ثبوت كليهما معاً كما لا يخفى، و كيف كان فعلى هذا الأساس ثبوت كل منهما على نحو القضية الحقيقية يستلزم لا محالة عدم ثبوت الآخر كذلك.