محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٠٧
و بعبارة واضحة قد تعرضنا في غير موضع أن لكل حكم مرتبتين و لا ثالث لهما.
الأولى - مرتبة الجعل و الإنشاء و هي جعله لموضوعه على نحو القضية الحقيقية من دون تعرضه لحال موضوعه وجوداً و عدماً. و من هنا قلنا ان كل قضية حقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع و تاليها ثبوت المحمول له. و من الواضح جداً ان التالي لا يكون ناظراً إلى حال الشرط وجوداً و لا عدماً، بل هو ثابت على تقدير تحققه في الخارج، و كذا الحكم لا يكون ناظراً إلى حال موضوعه أصلا، بل هو ثابت على فرض تحققه، و هذا معنى كون الموضوع مأخوذاً في القضية الحقيقية على نحو فرض وجوده.
الثانية - مرتبة فعلية الحكم و هي تتحقق بفعلية موضوعه في الخارج و وجوده ضرورة ان فعلية الحكم تدور مدار فعلية موضوعه و تحققه. و من هنا قلنا ان نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علته، فكما ان فعلية المعلول تدور مدار فعلية علته، فكذلك فعلية الحكم تتبع فعلية موضوعه.
فالنتيجة على ضوء هذا البيان ان في موارد التزاحم لا تنافي بين الحكمين بحسب مرتبة الجعل أصلا، بداهة انه لا تنافي بين جعل وجوب إنقاذ الغريق للقادر على نحو القضية الحقيقية و حرمة التصرف في مال الغير كذلك، كيف فان عدم التنافي بين الدليل الدال على وجوب الإنقاذ و الدليل الدال على حرمة التصرف في مال الغير من الواضحات الأولية، و كذا لا تنافي بين جعل وجوب الصلاة للقادر و وجوب الإزالة له. و هكذا، فالتنافي في مورد التزاحم إنما هو في مرتبة فعلية الأحكام و زمن امتثالها، ضرورة أن فعلية كل من حكمين متزاحمين تأبى عن فعلية الآخر، لاستحالة فعلية كليهما معاً.
و سره ان القدرة الواحدة لا تفي إلا بإعمالها في أحدهما، فلا تكفي للجمع بينهما في مقام الإتيان و الامتثال. و عليه فلا محالة كان اختيار كل واحد منهما في