محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٠٦
و الإطاعة و امتثال الأحكام سواء أعلم بوجود مصلحة في متعلقاتها أم لم يعلم، ضرورة ان كل ذلك لا يكون عذراً له في ترك الامتثال، بل يعد هذا منه تدخلا في وظيفة المولى و هو قبيح.
على انه ليس للعبد طريق إلى إحراز جهات المصالح و المفاسد في متعلقات الأحكام الشرعية مع قطع النّظر عن ثبوتها، ليراعي ما هو الأقوى منها. نعم قد يستكشف من أهمية الحكم أهمية ملاكه فيرجح على غيره، و لكن هذا أجنبي عما نحن فيه و هو وقوع المزاحمة بين الملاكات و الجهات الواقعية، فاذن ليست لتلك الكبرى صغرى في الأحكام الشرعية أصلا.
و قد تحصل من ذلك امران:
الأول - ان هذا النوع من التزاحم ليس في مقابل التعارض، فان ما هو في مقابله التزاحم في الأحكام الفعلية بعضها ببعض، دون التزاحم في الملاكات، و لذا لا تترتب على البحث عنه اية ثمرة.
الثاني - ان وقوع التزاحم بين الملاكات يرتكز على وجهة نظر مذهب العدلية من تبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد في متعلقاتها، أو في نفسها. و اما على وجهة مذهب الأشعري المنكر للقول بالتبعية مطلقاً فلا موضوع له.
النوع الثاني - تزاحم الأحكام بعضها مع بعض في مقام الامتثال و الفعلية، و منشأه عدم قدرة المكلف على امتثال كلا التكليفين معاً، و يكون امتثال كل واحد منهما متوقفاً على مخالفة الآخر، فانه إذا صرف قدرته على امتثاله يعجز عن امتثال الآخر، فيكون الآخر منتفياً بانتفاء موضوعه - و هو القدرة - مثلا إذا فرضنا ان إنقاذ الغريق أو نحوه متوقف على التصرف في مال الغير، أو كان هناك غريقان، و لكن المكلف لا يقدر على إنقاذ كليهما معاً فعندئذ لو اختار امتثال أحدهما يعجز عن امتثال الثاني فينتفي بانتفاء موضوعه.