محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٠٥
مصلحة ت قتضي إيجابه، و جهة مفسدة تقتضي تحريمه، أو كانت فيه جهة تقتضي استحبابه و جهة أخرى تقتضي كراهته. و هكذا، ففي هذه الموارد و ما شاكلها لا محالة تقع المزاحمة بين المصلحة و المفسدة، أو كانت مصلحة في فعل و مصلحة أخرى في فعل آخر مضاد له. و هكذا.
و من الواضح جداً ان الأمر في هذا النوع من التزاحم بيد المولى حيث ان عليه ان يلاحظ الجهات الواقعية و الملاكات النّفس الأمرية الكامنة في الأفعال الاختيارية للعباد، و يقدم ما هو الأقوى و الأهم من تلك الملاكات على غيره التي لم تكن بهذه المرتبة من القوة و الأهمية، و يجعل الحكم على طبق الأهم دون غيره.
و من الضروري ان هذا ليس من وظيفة العبد بشيء، فان وظيفته العبودية و امتثال الأحكام التي جعلت من قبل المولى و وصلت إليه و الخروج عن عهدة تلك الأحكام و تحصيل الأمن من ناحيتها من دون ملاحظته جهات المصالح و المفاسد في متعلقاتها أصلا، بل إذا فرضنا ان العبد علم - بان المولى قد اشتبه عليه الأمر كما يتفق ذلك في الموالي العرفية فجعل الوجوب - مثلا - يزعم ان في الفعل مصلحة، مع انه لا مصلحة فيه، أو علم ان فيه مفسدة - لم يكن له بمقتضى وظيفة العبودية مخالفة ذلك التكليف المجعول و ترك امتثاله معتذراً بأنه لا مقتضى للوجوب أو ان فيه مقتضى الحرمة، فان كل ذلك لا يسمع منه و يستحق العقاب على مخالفته، كما ان من وظيفة الرعايا الالتزام بالقوانين المجعولة في الحكومات، فلو ان أحداً خالف قانوناً من تلك القوانين اعتذاراً بأنه لا مصلحة في جعله أو ان فيه مفسدة فلا يسمع هذا الاعتذار منه و يعاقب على مخالفة ذلك.
فالنتيجة هي: ان وظيفة المولى جعل الأحكام على طبق جهات المصالح و المفاسد الواقعيتين، و ترجيح بعض تلك الجهات على بعضها الآخر في مقام المزاحمة، غاية الأمر انه إذا كان المولى مولى حقيقياً يجعل الحكم على وفق ما هو الأقوى من تلك الجهات في الواقع و نفس الأمر، و إذا كان عرفياً يجعل الحكم على طبق ما هو الأقوى بنظره، لعدم إحاطته بجهات الواقع تماماً، و وظيفة العبد الانقياد