محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٩٥
واقع الأمر بين الأمرين، بتقريب ان المشيئة الإلهية لو لم تتعلق بإفاضة الحياة للإنسان و القدرة له فلا يملك الإنسان لنفسه نفعاً و لا ضراً، و لا يقدر على شيء، بداهة أنه لا حياة له عندئذ و لا قدرة كي يكون مالكاً و قادراً، فملكه النّفع أو الضر لنفسه يتوقف على تعلق مشيئة تعالى بحياته و قدرته آناً فآناً، و يدور مداره حدوثاً و بقاء، و بدونه فلا ملك له أصلا و لا سلطان.
و منها قوله تعالى (يضل من يشاء و يهدي من يشاء) حيث قد أسندت الآية الكريمة الضلالة و الهداية إلى اللَّه سبحانه و تعالى، مع انهما من افعال العباد. و سره ما ذكرناه من ان افعال العباد و أن لم تقع تحت مشيئة الباري عز و جل مباشرة إلا ان مبادئ تلك الأفعال بيد مشيئته تعالى و تحت إرادته، و قد تقدم ان هذه الجهة كافية لصحة اسناد هذه الأفعال إليه تعالى حقيقة من دون عناية و مجاز.
فالنتيجة ان هذه الآيات و أمثالها تطابق نظرية الأمر بين الأمرين و لا تخالفها. و توهم ان أمثال تلك الآيات تدل على نظرية الجبر - خاطئ - جداً، فان هذا التوهم قد نشأ من عدم فهم معنى نظرية الأمر بين الأمرين فهماً صحيحاً كاملا و مطابقاً للواقع الموضوعي، و أما بناء على ما فسرنا به هذه النظرية فلا يبقى مجال لمثل هذا التخيل و التوهم أبداً.
ثم انه لا بأس بالإشارة في نهاية المطاف إلى نقطتين:
(الأولى) ان الفخر الرازي قد أورد شبهة على ضوء الهيئة القديمة و حاصلها هو ان اللَّه تعالى خلق الكائنات على ترتيب خاص و حلقات تصاعدية مخصوصة و هي انه تعالى خلق الكرة الأرضية و جعلها نقطة الدائرة و مركزاً لها، ثم كرة الماء، ثم كرة الهواء، ثم كرة النار، ثم الفلك الأول و هكذا إلى ان ينتهي إلى الفلك التاسع و هو فلك الأفلاك المسمى