محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٤٥
صدرت منه بالاختيار و ان كان لا يعلم حقيقة اجزائها و دخولها تحت اية مقولة من المقولات.
فالنتيجة ان ملاك صدور الفعل بالاختيار هو سبقه بالالتفات و التصور على نحو الإجمال في مقابل صدوره غفلة و سهواً.
و بعد ذلك نقول: ان أراد الأشعري من العلم بتفاصيل الأفعال العلم بكنهها و حقيقتها الموضوعية فيرده: أولا ان ذلك لا يتيسر لغير علام الغيوب فان حقائق الأشياء بكافة أنواعها و اشكالها مستورة عنا، و لا طريق لنا إليها، لأن أفكارنا لا تملك قوة إدراكها، و الوصول إلى واقعها و مغزاها و ثانياً - ان هذا العلم لا يكون ملاكا لاتصاف الفعل بالاختيار، كما عرفت، و ان أراد منه العلم بما يوجب تمييز الأفعال بعضها عن بعضها الآخر كأن يعلم بان ما يفعله خارجاً و يأتي به شرب ماء مثلا لا شرب خل، و هكذا و ان لم يعلم كنهه و حقيقته فهو صحيح، كما مر، إلا ان اللازم على هذا ليس بباطل، لفرض أن كل فاعل مختار يعلم أفعاله في إطار عناوينها الخاصة و ان أراد منه العلم بحدها التام المشهوري أو برسمها التام أو الناقص فيرد عليه: أولا - أن ذلك العلم لا يتيسر لأغلب الناس، بداهة ان العامي لا يعرف جنس الأشياء و لا فصلها و لا خواصها حتى يعرف حدها التام أو الناقص أو رسمها التام أو الناقص. و ثانياً - قد سبق ان هذا العلم لا يكون مناطاً لصدور الفعل بالاختيار.
و من هنا يظهر ان ما ذكره لبيان بطلان اللازم من ان النائم و كذا الساهي قد يفعله باختياره غريب جداً، بداهة ان ما يصدر منهما من الحركة كالتقلب من جنب إلى جنب آخر أو نحو ذلك غير اختياري، و لذا لا يستحقان عليه المدح و الذم و العقاب و الثواب. و قد تقدم ان الالتفات إلى الفعل على نحو الإجمال ركيزة أساسية لاختياريته، و بدونه لا يعقل صدوره بالاختيار.