محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥٩
في المعاليل الطبيعية، و لا يمكن تفسيرها في الأفعال الاختيارية أصلا، و ذلك لأن الأفعال الاختيارية سواء أ كانت معلولة للإرادة أم كانت معلولة لاعمال القدرة و السلطنة، فلا يستند صدورها إلى مبدأ السنخية، بداهة انها لا تتولد من كمون ذات علتها و فاعلها، و لا تخرج من واقع وجوده و صميم ذاته لتكون من شئونه و مراتبه، بل هي مباينة له ذاتاً و وجوداً، و على هذا فلا يمكن التفسير الصحيح لاحتفافها بالضرورة السابقة، فان معنى هذا كما عرفت وجود المعلول في مرتبة وجود علته، و هذا لا يعقل إلا في المعاليل الطبيعية، و من هنا يظهر اننا لو قلنا بان الإرادة علة تامة لها فمع ذلك لا صلة لها بالقاعدة المزبورة، لوضوح انه لا معنى لوجوب وجودها في مرتبة وجود الإرادة، ثم خروجها من تلك المرتبة إلى مرتبتها الخاصة.
و على الجملة فإذا كانت العلة مباينة للمعلول وجوداً و لم تكن بينهما علاقة السنخية فبطبيعة الحال لا يتصور هنا وجوب وجود المعلول من قبل وجود علته، فاذن ليس هنا الا وجوده بعد وجودها من دون ضرورة سابقة، و مرد هذا بالتحليل العلمي إلى عدم قابلية الإرادة للعلية. و قد تحصل من ذلك ان الفعل في وجوده يحتاج إلى فاعل ما، و يصدر منه باختياره و إعمال قدرته و لا تأثير للإرادة فيه بنحو العلة التامة نعم قد يكون لها تأثير فيه بنحو الاقتضاء.
فالنتيجة انه لا مجال للقاعدة المتقدمة في إطار سلسلة الأفعال الاختيارية فتختص بسلسلة المعاليل الطبيعية.
و أما النقطة الثانية و هي ان الفعل الاختياري ما أوجده الإنسان باختياره و إعمال قدرته فقد تبين وجهها على ضوء ما حققناه في النقطة الأولى من ان الإرادة مهما بلغت ذروتها من القوة لن تكون علة تامة للفعل، و عليه فبطبيعة الحال يستند وجود الفعل في الخارج إلى امر آخر، و هذا الأمر هو إعمال