محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٨٩
كل منهما، اما إلى العبد فحيث أنه صار متمكناً من إيجاد الفعل و عدمه بعد ان أوصل المولى القوة إليه و أوجد القدرة في عضلاته و هو قد فعل باختياره و إعمال قدرته، و أما إلى المولى فحيث أنه كان معطي القوة و القدرة له حتى حال الفعل و الاشتغال بالقتل، مع أنه متمكن من قطع القوة عنه في كل آن شاء و أراد، و هذا هو واقع نظرية الأ مر بين الأمرين و حقيقتها.
و بعد ذلك نقول: ان الأشاعرة تدعى ان افعال العباد من قبيل الأول، حيث أنها لم تصدر عنهم باختيارهم و إرادتهم بل هي جميعاً بإرادة اللَّه تعالى التي لا تتخلف عنها، و هم قد أصبحوا مضطرين إليها و مجبورين في حركاتهم و سكناتهم كالميت في يد الغسال. و من هنا قلنا ان في ذلك القضاء الحاسم على عدالته سبحانه و تعالى. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد تقدم نقد هذه النظرية بشكل موسع وجداناً و برهاناً. و قد أثبتنا ان تلك النظرية لا تتعدى عن مجرد الافتراض بدون ان يكون لها واقع موضوعي.
و المعتزلة تدعى ان افعال العباد من قبيل الثاني و انهم مستقلون في حركاتهم و سكناتهم، و انما يفتقرون إلى إفاضة الحياة و القدرة من اللَّه تعالى حدوثا فحسب، و لا يفتقرون إلى علة جديدة بقاء. بل العلة الأولى كافية في بقاء القدرة و الاختيار لهم إلى نهاية المطاف. و من هنا قلنا ان هذه النظرية قد أسرفت في تحديد سلطنة الباري سبحانه و تعالى. هذا من ناحية و من ناحية أخرى قد سبق ان تلك النظرية تقوم على أساس نظرية الحدوث و هي النظرية القائلة بان سر حاجة الأشياء إلى أسبابها هو حدوثها، و لكن قد أثبتنا آنفاً خطأ تلك النظرية بشكل واضح، و ان سر حاجة الأشياء إلى أسبابها هو إمكانها الوجوديّ لا حدوثها، و لا فرق فيه بين الحدوث و البقاء.