محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥٥
و بغير اختيار و انقياد للنفس كارتعاش البدن و اصفرار الوجه و نحوهما، و من المعلوم ان تلك الأفعال خارجة عن الاختيار حيث كان ترتبها عليها كترتب المعلول على العلة التامة. فلو كانت الإرادة أيضاً علة تامة لوجود الأفعال فاذن ما هو نقطة الفرق بين الأفعال المترتبة على صفة الإرادة و الأفعال المترتبة على صفة الخوف، إذ على ضوء هذه النظرية فهما في إطار واحد فلا فرق بينهما إلا بالتسمية فحسب من دون واقع موضوعي لها أصلا، مع ان الفرق بين الطائفتين من الأفعال من الواضحات الأولية. و من هنا يحكم العقلاء باتصاف الطائفة الأولى بالحسن و القبح العقليين و استحقاق فاعلها المدح و الذم، دون الطائفة الثانية. و من الطبيعي ان هذا الفرق يرتكز على نقطة موضوعية، و هي اختيارية الطائفة الأولى دون الطائفة الثانية لا على مجرد تسمية الأولى بالافعال الاختيارية و الثانية بالافعال الاضطرارية، مع عدم واقع موضوعي لها. و من ذلك يظهر ان الإرادة تستحيل أن تكون علة تامة للفعل.
و لتوضيح ذلك نأخذ بمثالين: (الأول) اننا إذا افترضنا شخصا تردد بين طريقين: أحدهما مأمون من كل خطر على النّفس و المال و العرض و فيه جميع متطلباته الحيوية و ما تشتهيه نفسه. و الآخر غير مأمون من الخطر، و فيه ما ينافي طبعه و لا يلائم إحدى قواه، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال تحدث في نفسه إرادة و اشتياق إلى اختيار الطريق الأول و اتخاذه مسلكاً له دون الطريق الثاني، و لكن مع ذلك نرى بالوجدان ان اختياره هذا ليس قهراً عليه، بل حسب اختياره و إعمال قدرته، حيث ان له و الحال هذه ان يختار الطريق الثاني.
(الثاني) إذا فرضنا ان شخصاً سقط من شاهق و دار امره بين ان يقع على ولده الأكبر المؤدي إلى هلاكه و بين ان يقع على ولده الأصغر