محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥١
توضيح ذلك ان الكلام من هذه الناحية تارة يقع في المعاليل الطبيعية المترتبة على عللها. و أخرى في الأفعال الاختيارية.
اما الأولى فلأنها تخضع لقوانين طبيعية و نظم خاصة التي أودعها اللَّه تعالى في كمون ذاتها و طبائعها ضمن إطار معين و هي مبدأ السنخية و التناسب. و السر في ذلك ان العلل تملك معاليلها في واقع ذواتها و كمون طبائعها بنحو الأتم و الأكمل، و ليست المعاليل موجودات أخر في قبال وجوداتها، بل هي تتولد منها و من مراتب وجودها النازلة، و عليه فبطبيعة الحال تتناسب معها مثلا معنى كون الحرارة معلولة للنار هو ان النار تملك الحرارة في صميم ذاتها و تتولد منها و تكون من مراتب وجودها، و هذا هو التفسير الصحيح لاعتبار السنخية و التناسب بينهما.
فالنتيجة ان الكائنات الطبيعية بعللها و معاليلها جميعاً خاضعة لقانون التناسب و التسانخ، و لا تتخلف عن السير على طبقه أبداً و على ضوء هذا فلا يمكن القول بان ترتب المعاليل على عللها بمجرد جريان عادة اللَّه تعالى بذلك من دون علاقة ارتباط و مناسبة بينهما رغم ان العادة لا تحصل الا بالتكرار، و عليه فما هو المبرر لصدور أول معلول عن علته مع عدم ثبوت العادة هناك، و ما هو الموجب لتأثيرها فيه و وجوده عقيب وجودها. و من الطبيعي انه ليس ذلك الا من ناحية ارتباطه معه ذاتاً و وجودا، فإذا كان المعلول الأول خاضعاً لقانون العلية، فكذلك المعلول الثاني، و هكذا بداهة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبداً، و كيف يمكن ان يقال ان وجود الحرارة مثلا عقيب وجود النار في أول سلسلتهما الطولية مستند إلى مبدأ السنخية و المناسبة و خاضع له، و أما بعده فهو من جهة جريان عادة اللَّه تعالى بذلك، لا من جهة خضوعه لذلك المبدأ. فالنتيجة ان مرد هذه المقالة إلى إنكار واقع مبدأ العلية و هو لا يمكن.