محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٩٠
و الإمامية تدعى ان افعال العباد من قبيل الثالث، و قد عرفت ان النظرية الوسطى هي تلك النظرية (الأمر بين الأمرين) و تريد الآن درس هذه النظرية بصورة أعمق منطقياً و موضوعياً. قد تقدم ان سر حاجة الأشياء إلى العلة بصورة عامة - الكامن في جوهر ذاتها و صميم وجودها - هو إمكانها الوجوديّ و فقرها الذاتي في قبال واجب الوجود و الغنى بالذات، و معنى إمكانها الوجوديّ بالتحليل العلمي انها عين الربط و التعلق، لا ذات لها الربط و التعلق و إلا لكانت في ذاتها غنية و غير مفتقرة إلى المبدأ، و في ذلك انقلاب الممكن إلى الواجب و هو مستحيل.
هذا من ناحية. و من ناحية أخرى أنه لا فرق في ذلك بين وجودها في أول سلسلتها و حلقاتها التصاعدية و بين وجودها في نهاية تلك السلسلة لاشتراكهما في هذه النقطة و هي الإمكان و الفقر الذاتي و إلا لزم كون الممكن واجباً في نهاية المطاف.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي ان الأشياء الخارجية بكافة اشكالها أشياء تعلقية و ارتباطية، و انها عين التعلق و الارتباط و هو مقوم لكيانها و وجودها، فلا يعقل استغناؤها عن المبدأ، ضرورة استحالة استغنائها عن شيء ترتبط به و تتعلق. و من نفس هذا البيان يظهر لنا أن الموجود الخارجي إذا لم يكن في ذاته تعلقياً و ارتباطياً لا يشمله مبدأ العلية بداهة أنه لا واقع للمعلول وراء ارتباطه بالعلة ذاتاً، فما لم يكن مرتبطاً بشيء كذلك لا يعقل ان يكون ذلك الشيء مبدأ له و علة، و من هنا لا يكون كل مرتبط بشيء معلولا له.
فبالنتيجة ان الموجود الخارجي لا يخلو أما أن يكون ممكن الوجود و هو عين التعلق و الارتباط، أو يكون واجب الوجود و هو الغنى بالذات، و لا ثالث لهما. و على أساس ذلك ان تلك الأشياء كما تفتقر في حدوثها إلى إفاضة المبدأ، كذلك تفتقر في بقائها الّذي هو الحدوث في الشوط الثاني،