محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥٨
و مشيئته فلا يعقل وجود نظام له كامن في صميم ذاته، ليكون سيره و وجوده تحت إطار هذا النظام الخاصّ من دون تخلفه عنه، و الوجه في هذا واضح و هو ان مشيئة الإنسان تختلف باختلاف افراده كما تختلف باختلاف حالاته النفسيّة و دواعيه الداخلية و الخارجية، فلهذا السبب جعل لها نظم و قوانين خاصة، ليكون سيرها الوجوديّ تحت إطار هذه النظم، و هذا بخلاف سلسلة المعاليل الطبيعية، فانها تخضع في سيرها الوجوديّ نظاماً خاصاً و إطاراً معيناً الّذي أودعه اللَّه تعالى في كمون ذاتها، و يستحيل ان تتخلف عنه، و لذا لا يعقل جعل نظام لها من الخارج، لعدم خضوعها له و استحالة تخلفها عن نظمه الطبيعية، و هذا برهان قطعي على ان السلسلة الأولى سلسلة اختيارية، فأمرها وجوداً و عدماً بيد فاعلها دون السلسلة الثانية، فانها مقهورة و مجبورة في سيرها على طبق نظمها الطبيعية الموضوعة في صميم ذاتها و كمون واقعها.
لحد الآن قد تبين افتراق السلسلة الأولى عن السلسلة الثانية بنقطة موضوعية، فلو كانت السلسلة الأولى كالسلسلة الثانية مقهورة و مجبو رة في سيرها الوجوديّ لم يمكن الفرق بينهما.
و أما الأمر الثاني فالقاعدة المذكورة و ان كانت تامة في الجملة الا انه لا صلة لها بالافعال الاختيارية. و السبب في ذلك ان هذه القاعدة ترتكز على مسألة التناسب و السنخية التي هي النقطة الأساسية لمبدإ العلية، فان وجود المعلول - كما تقدم - مرتبة نازلة من وجود العلة، و ليس شيئاً أجنبياً عنه. و على هذا فبطبيعة الحال ان وجود المعلول قد أصبح ضرورياً في مرتبة وجود العلة، لفرض انه متولد منها و مستخرج من صميم ذاتها و واقع مغزاها و هذا معنى احتفاف وجوده بضرورة سابقة. و من الطبيعي انه لا يمكن تفسير الضرورة في القاعدة المذكورة على ضوء مبدأ العلية الا