محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٧٥
ذاتاً و وجوداً و فاردة سنخاً فلا يعقل ان تختلف آثارها و تتباين أفعالها، ضرورة استحالة صدور الآثار المتناقضة المختلفة و الأفعال المتباينة من علة واحدة بسيطة، فان للعلة الواحدة أفعالا و نواميساً معينة لا تختلف و لا تتخلف عن إطارها المعين، كيف حيث ان في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ السنخية و المناسبة بين العلة و المعلول، و من الطبيعي ان القضاء على هذا المبدأ يستلزم انهيار جميع العلوم و الأسس القائمة على ضوئه، فلا يمكن عندئذ تفسير أية ظاهرة كونية و وضع قانون عام لها.
و دعوى الفرق - بين الذات الأزلية و العلة الطبيعية هو ان الذات الأزلية و ان كانت علة تامة للأشياء إلا انها عالمة بها، دون العلة الطبيعية، فانها فاقدة للشعور و العلم - و ان كانت صحيحة الا ان علم العلة بالمعلول ان كان مانعاً عن تأثيرها فيه على شكل الحتم و الوجوب بقانون التناسب فهذا خلف، حيث ان في ذلك القضاء الحاسم على علية الذات الأزلية و ان تأثيرها في الأشياء ليس كتأثير العلة التامة في معلولها، بل كتأثير الفاعل المختار في فعله، و ان لم يكن مانعاً عنه كما هو الصحيح حيث ان العلم لا يؤثر في واقع العلية و إطار تأثيرها، كما درسنا ذلك سابقاً، فلا فرق بينهما عندئذ أصلا، فاذن ما هو منشأ هذه الاختلافات و التناقضات بين الأشياء، و ما هو المبرر لها. و بطبيعة الحال لا يمكن تفسيرها تفسيراً يطابق الواقع الموضوعي الأعلى ضوء ما درسناه سابقاً بشكل موسع من ان صدور الأشياء من اللَّه سبحانه بمشيئته و إعمال سلطنته و قدرته، و قد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية، و زاوية المعاليل الطبيعية، و على أساس هذا الفرق تحل المشكلة (الثالث): انه لا يمكن على ضوء هذه النظرية إثبات علة أولى للعالم التي لم تنبثق عن علة سابقة. و السبب في ذلك ان سلسلة المعاليل و الحلقات المتصاعدة التي ينبثق بعضها من بعض لا تخلو من ان تتصاعد