محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٥٨
الاختيار عقاباً و ينافيه خطاباً في غاية الصحة و المتانة فلو اضطر الإنسان نفسه باختياره إلى ارتكاب محرم كما لو دخل في الأرض المغصوبة أو ألقى نفسه من شاهق أو ما شاكل ذلك فعندئذ و ان كان التكليف عنه ساقطاً، لكونه لغواً صرفاً بعد فرض خروج الفعل عن اختياره، و أما عقابه فلا قبح فيه أصلا و ذلك لأن هذا الاضطرار حيث انه منته إلى الاختيار فلا يحكم العقل بقبحه أبداً.
و ناقش في هذه القاعدة طائفتان: فعن أبي هاشم المعتزلي ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً و خطاباً، و كان للمولى في المثالين المذكورين ان ينهى عن التصرف في مال الغير بدون اذنه، و يأمر بحفظ نفسه بدعوى انه لا مانع من التكليف بغير المقدور إذا كان مستنداً إلى سوء اختياره، و يظهر اختيار هذا القول من المحقق القمي (قده) أيضاً. و في مقابل هذا القول ادعى جماعة منافاته للاختيار عقاباً و خطاباً. اما الخطاب فهو واضح. لأنه لغو صرف. و اما العقاب فلأنه عقاب على غير مقدور و هو قبيح عقلا.
و لنأخذ بالنقد على كلا القولين: اما القول الأول فلان الغرض من التكليف هو احداث الداعي للمكلف بالإضافة إلى المكلف به، و عليه فان كان المكلف به مقدوراً لم يكن التكليف به لغواً حيث انه يمكن ان يصير داعياً إليه، و ان لم يكن مقدوراً كان التكليف به لغواً محضاً، لعدم إمكان كونه داعياً، و من الواضح انه لا فرق في هذه النقطة بين ان يكون مستند عدم القدرة سوء الاختيار أو غيره، بداهة ان عدم القدرة المسبب عن سوء الاختيار لا يصحح تكليف المولى لغير القادر و إلا لجاز للمولى ان يأمر عبده بالجمع بين الضدين معلقا على امر اختياري كالصعود على السطح أو نحو ذلك و هو باطل قطعاً حتى عند القائل بهذا القول. و اما القول الثاني فلان الخطاب و ان كان لغواً كما عرفت الا انه لا مانع من