محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٩٢
إلى سبب أعمق و تنتهي إلى مبدأ أعلى ما وراء حدودها. و السبب في ذلك ان تلك الأشياء بكافة سلسلتها التصاعدية و حلقاتها الطولية و العرضية خاضعة لمبدإ العلية، و لا يمكن افتراض شيء بينها متحرر عن هذا المبدأ، ليكون هو السبب الأول لها، فاذن لا بد من انتهاء السلسلة جميعاً في نهاية المطاف إلى علة غنية بذاتها، لتقطع السلسلة بها و تضع لها بداية أزلية. مثلا بقاء ظواهر الأشياء استند إلى بقاء عللها و هي الخاصية الموجودة في موادها من ناحية، و القوة الجاذبية التي تفرض المحافظة عليها من ناحية أخرى، و ترتبط تلك الظواهر بهما ارتباطاً ذاتياً، فلا يعقل بقاؤها على وضعها بدونهما ثم ننقل الكلام إلى عللها و هي تواجه نفس مسألة الافتقار إلى مبدأ العلية و هكذا إلى ان تصل الحلقات إلى السبب الأعلى الغني بالذات المتحرر من مبدأ العلية.
(الثانية) ان ارتباط المعلول بالعلة الطبيعية يفترق عن ارتباط المعلول بالعلة الفاعلية في نقطة، و يشترك معه في نقطة أخرى.
اما نقطة الافتراق فهي ان المعلول في العلل الطبيعية يرتبط بذات العلة و ينبثق من صميم كيانها و وجودها. و من هنا قلنا ان تأثير العلة في المعلول يقوم على ضوء قانون التناسب. و اما المعلول في الفواعل الإرادية فلا يرتبط بذات الفاعل و العلة و لا ينبثق من صميم وجودها. و من هنا لا يقوم تأثيره فيه على أساس مسألة التناسب. نعم يرتبط المعلول فيها بمشيئة الفاعل و إعمال قدرته ارتباطاً ذاتياً يعنى يستحيل انفكاكه عنها حدوثاً و بقاء، و متى تحققت المشيئة تحقق الفعل، و متى انعدمت انعدم. و على ذلك فمرد ارتباط الأشياء الكونية بالمبدإ الأزلي و تعلقها به ذاتاً إلى ارتباط تلك الأشياء بمشيئته و إعمال قدرته، و انها خاضعة لها خضوعاً ذاتياً و تتعلق بها حدوثاً و بقاء، فمتى تحققت المشيئة الإلهية بإيجاد شيء وجد، و متى