محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٨٧
و أسرفت في تحديدها. و على هذا فبطبيعة الحال يتعين الأخذ بمدلول الروايات لا من ناحية التعبد بها حيث ان المسألة ليست من المسائل التعبدية بل من ناحية ان الطريق الوسط الّذي يمكن به حل مشكلة الجبر و التفويض منحصر فيه. تفصيل ذلك: ان افعال العباد تتوقف على مقدمتين (الأولى) حياتهم و قدرتهم و علمهم و ما شاكل ذلك (الثانية) مشيئتهم و إعمالهم القدرة نحو إيجادها في الخارج، و المقدمة الأولى تفيض من اللَّه تعالى و ترتبط بذاته الأزلية ارتباطاً ذاتياً، و خاضعة له يعنى انها عين الربط و الخضوع، لا انه شيء له الربط و الخضوع. و على هذا الضوء لو انقطعت الإفاضة من اللَّه.
سبحانه و تعالى في آن انقطعت الحياة فيه حتماً. و قد أقمت البرهان على ذلك بصورة مفصلة عند نقد نظرية المعتزلة، و بينا هناك ان سر حاجة الممكن إلى المبدأ كامن في صميم ذاته و وجوده، فلا فرق بين حدوثه و بقائه من هذه الناحية أصلا.
و المقدمة الثانية تفيض من العباد عند فرض وجود المقدمة الأولى، فهي مرتبطة بها في واقع مغزاها و متفرعة عليها ذاتاً و عليه فلا يصدر فعل من العبد الا عند إفاضة كلتا المقدمتين، و اما إذا انتفت إحداهما فلا يعقل تحققه. و على أساس ذلك صح اسناد الفعل إلى اللَّه تعالى، كما صح اسناده إلى العبد.
و لتوضيح ذلك نضرب مثالا عرفياً لتمييز كل من نظريتي الجبر و التفويض عن نظرية الإمامية. بيانه: ان الفعل الصادر من العبد خارجاً على ثلاثة أصناف:
(الأول): ما يصدر منه بغير اختياره و إرادته و ذلك كما لو افترضنا شخصاً مرتعش اليد و قد فقدت قدرته و اختياره في تحريك يده ففي مثله