محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٧٤
بداهة ان واقع العلم و حقيقته هو انكشاف الأشياء على ما هي عليه لدى العالم. و من الطبيعي ان الانكشاف لا يعقل أن يكون مؤثراً في المنكشف على ضوء مبدأ السنخية و المناسبة، ضرورة انتفاء هذا المبدأ بينهما. و أضف إلى ذلك ان العلم الأزلي لو كان علة تامة لأفعال العباد فبطبيعة الحال ترتبط تلك الأفعال به ذاتاً و تعاصره زماناً. و هذا غير معقول.
و أما الثاني فلفرض ان العلم لا يقتضي ضرورة وجود الفعل في الخارج حيث انه لا علاقة بينهما ما عدا كونه كاشفاً عنه. و من الطبيعي ان وقوع المنكشف في الخارج ليس تابعاً للكاشف بل هو تابع لوجود سببه و علته، سواء أ كان هناك انكشاف أم لم يكن، و عليه فلا موجب لضرورة وقوع الفعل الا دعوى الانقلاب، و لكن قد عرفت خطأها و عدم واقع موضوعي لها. و نزيد على هذا ان علمه سبحانه بوقوع افعال العباد لو كان موجباً لاضطرارهم إليها و خروجها عن اختيارهم لكان علمه سبحانه بأفعاله أيضاً موجباً لذلك. فالنتيجة ان هذا التوهم خاطئ جداً.
(الوجه الرابع) ما عن الفلاسفة من ان الذات الأزلية علة تامة للأشياء، و تصدر منها على ضوء مبدأ السنخية و المناسبة، حيث ان الحقيقة الإلهية بوحدتها و أحديتها جامعة لجميع حقائق تلك الأشياء و طبقاتها الطولية و العرضية و منها افعال العباد، فانها داخلة في تلك السلسلة التي لا تملك الاختيار و لا الحرية.
و الجواب عنه ان هذه النظرية خاطئة من وجوه:
(الأول): ما تقدم بشكل موسع من ان هذه النظرية تستلزم نفى القدرة و السلطنة عن الذات الأزلية أعاذنا اللَّه من ذلك.
(الثاني): انه لا يمكن تفسير اختلاف الكائنات بشتى أنواعها و اشكالها ذاتاً و سنخاً على ضوء هذه النظرية، و ذلك لأن العلة التامة إذا كانت واحدة