محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٧٣
وفق إطار علمه سبحانه، و لا يمكن تخلفه عنه، فلو كانوا مختارين في أفعالهم فلا محالة وقع التخلف في غير مورد و هو محال. و قد صرح بذلك صدر المتألهين بقوله: «و مما يدل على ما ذكرناه من انه ليس من شرط كون الذات مريداً و قادراً إمكان ان لا يفعل، حيث ان اللَّه تعالى إذا علم انه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني، فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلا، و ذلك محال، و المؤدي إلى المحال محال، فعدم وقوع ذلك الفعل محال، فوقوعه واجب، لاستحالة خروجه من طرفي النقيضين».
و الجواب عنه ان علمه سبحانه و تعالى بوقوع تلك الأفعال منهم خارجاً في زمان خاص و مكان معين لا يكون منشأ لاضطرارهم إلى إيقاعها في الخارج في هذا الزمان و ذاك المكان، و السبب في ذلك هو ان علمه تعالى قد تعلق بوقوعها كذلك منهم بالاختيار و إعمال القدرة. و من الطبيعي ان هذا العلم لا يستلزم وقوعها بغير اختيار، و الا لزم التخلف و الانقلاب.
و السر فيه ان حقيقة العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه لدى العالم من دون ان يوجب التغيير فيه أصلا، و نظير ذلك ما إذا علم الإنسان بأنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني من جهة اخبار المعصوم عليه السلام أو نحوه فكما انه لا يوجب اضطراره إلى إيجاده في ذلك الوقت، فكذلك علمه سبحانه و بكلمة أخرى ان الاضطرار الناشئ من قبل العلم الأزلي يمكن تفسيره بأحد تفسيرين: (الأول) تفسيره على ضوء مبدأ العلية، بدعوى ان العلم الأزلي علة تامة للأشياء منها افعال العباد (الثاني) تفسيره على ضوء مبدأ الانقلاب أي انقلاب علمه تعالى جهلا من دون وجود علاقة العلية و المناسبة بينهما.
و لكن كلا التفسيرين خاطئ جداً.
اما الأول فلا يعقل كون العلم من حيث هو علة تامة لوجود معلومه