محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٥٩
العقاب، و ذلك لأن المكلف حيث كان متمكناً في بداية الأمر ان لا يجعل نفسه مضطراً إلى ارتكاب الحرام و مع ذلك لو جعل نفسه كذلك بسوء اختياره و ارتكب الحرام حكم العقل باستحقاقه العقاب لا محالة، لأنه منته إلى اختياره، و من الطبيعي ان العقل لا يفرق في استحقاق العقاب على فعل الحرام بين كونه مقدور الترك بلا واسطة أو معها، و انما يحكم بقبح استحقاقه على ما لا يكون مقدوراً له أصلا. فالنتيجة ان الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار عقاباً و ينافيه خطاباً. نعم قد تستعمل هذه القاعدة في مقام نقد نظرية الجبر و عدم الاختيار للعبد، و لكنه بمعنى آخر، و الفرق بين المعنيين هو ان المراد من الامتناع هنا الامتناع الوقوعي، و المراد من الامتناع هناك هو الامتناع بالغير و هو اختيار العبد و إرادته. و قد تقدم الكلام فيها من هذه الناحية بشكل موسع عند ما تعرضنا لنظرية الجبر و نقدها.
(الثاني) انه لا فرق في حكم العقل باستحقاق العقاب بين مخالفة التكليف الإلزامي الفعلي و بين تفويت حقيقة التكليف و روحه - و هو الملاك التام الملزم الّذي يدعو المولى إلى اعتبار الإيجاب تارة، و إلى جعل التحريم تارة أخرى، فإذا أحرز العبد ذلك الملاك في فعل و ان علم بعدم التكليف به استحق العقاب على تفويته من دون فرق في ذلك بين أن يكون المانع من التكليف قصوراً في ناحية المولى نفسه، كما إذا كان غافلا أو نائماً و اتفق في هذا الحال غرق ولده أو حرقه و كان عبده متمكناً من إنقاذه، فعندئذ لو خالف و لم ينقذه فلا شبهة في استحقاقه العقاب، أو قصوراً في ناحية العبد، كما إذا علم بان الملاك تام في ظرفه و انه لو لم يحفظ قدرته عليه لم يكن قابلا لتوجيه التكليف إليه، فعندئذ لو خالف و عجز في ظرف التكليف عن امتثاله، فعجزه هذا و ان كان مانعاً عن توجه التكليف إليه، لعدم القدرة الا انه