الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٤٠٣ - الثانية منها
و فيه:
أنّ منشأ الظهور إمّا الوضع أو القرينة، والمفروض أنّ اللفظ لم يوضع
للمطلق، وليست القرينة في البين إلاّ الحكمة التي إحدى مقدّماتها مشكوكة،
فمن أين يكون الظهور؟و بعبارة أخرى: إنّا نقطع بأنّ الموضوع له اللفظ-الّذي
هو الطبيعة المهملة-لم يكن متعلّقا للحكم، لما مرّ مرارا من أنّ الإهمال
في الواقعيّات غير معقول، ونقطع بأنّه إمّا لوحظ فيه الإطلاق والسريان أو
لوحظ فيه التقييد، فبأيّ مرجّح يرجّح لحاظ الإطلاق على التقييد.
و قيل وجه ثان له، وهو: بناء العقلاء في الاحتجاجات والأقارير على الأخذ
بالإطلاق ما لم ينصب المتكلّم قرينة على أنّه لا يكون في مقام البيان.
أقول: لا ريب في وجود هذه السيرة العقلائية، لكنّها هل هي سيرة تعبّديّة
بلا بيّنة ولا برهان، أم ليس الأمر كذلك؟الظاهر أنّه ليس من باب التعبّد
المحض، بل وجه بنائهم عليه هو: أنّ الإنسان حيث إنّ اللّه-تبارك وتعالى-
علّمه البيان لإظهار مراداته الواقعيّة بما يكون كاشفا عنها من الألفاظ ولا
طريق له إلى ذلك غالبا إلاّ هو، فهو ملتزم بمقتضى تعهّده أنّه متى أتى
بلفظ أراد معناه، وأيضا له التزام آخر، وهو: جعل الكواشف مطابقة لمراداته
الواقعيّة سعة وضيقا، وهذا هو معنى تبعيّة مقام الثبوت للإثبات، فعلى هذا
ليس للمتكلّم أن يأتي بلفظ مطلق مع أنّه أراد في الواقع المقيّد، لأنّه
خلاف مقتضى تعهّده إلاّ إذا نصب قرينة على أنّه لا يكون في مقام البيان،
فالمولى إذا لم ينصب قرينة على ذلك، يؤخذ بظاهر كلامه، ويحكم بأنّ مقام
الثبوت أيضا موسّع لا تضيّق فيه تبعا لمقام الإثبات الّذي لم يكن فيه
تضيّق.
و بعبارة أخرى: حيث إنّ الإطلاق رفض القيود بتمامها وعدم أخذ شيء منها،
بخلاف التقييد، فالمولى لو تعلّق غرضه بالمقيّد، فعليه التقييد والأخذ،