الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٣٥٢ - أمّا الجهة الثالثة
و غير
ذلك، فهي وإن كانت عامّة شاملة لكلّ ما شكّ في حكمه فحص عنه أو لا، إلاّ
أنّها خصّصت بما بعد الفحص قطعا إمّا بالدليل العقلي المتّصل أو المنفصل أو
اللفظي المنفصل.
فإنّ خصّصت بالقرينة العقليّة الضرورية المتّصلة بحيث لا ينعقد لها ظهور
إلاّ في الخاصّ، وفي الشبهات بعد الفحص، فحالها حال الأصول العقليّة
العمليّة في أنّ موضوعها من الأوّل مقيّد بما بعد الفحص.
و إن خصّصت بالقرينة المنفصلة العقليّة أو اللفظيّة، فربما يقال بعدم الفرق
بين المقامين، وأنّ الفحص في كليهما يكون عمّا يزاحم الحجّيّة، إذ الظهور
منعقد للعامّ في العموم، وتمّت حجّيّته على ذلك في الأصل اللفظي والعملي
بلا تفاوت بينهما.
و لكنّ التحقيق أنّ الموضوع والمقتضي للبراءة لا يكون تامّا مطلقا حتّى في
أدلّة البراءة الشرعيّة المخصّصة بالقرينة المنفصلة، وذلك لأنّ لنا حينئذ
فحصين: أحدهما: الفحص عن مخصّص«كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» وغيره من
أدلّة البراءة الشرعيّة، فإنّه أيضا عامّ نحتمل وجود مخصّص له، فإذا فحصنا
وظفرنا بما دلّ على وجوب السؤال والتعلّم والفحص الّذي هو مخصّص له، فنرى
أنّ نفس هذا المخصّص يدلّ على وجوب الفحص، فيقيّد العامّ في«كلّ شيء مطلق
حتّى يرد فيه نهي»بما بعد الفحص، فكأنّه قال: كلّ شيء فحصت عن حكمه وما
ظفرت به مطلق، فلا بدّ بمقتضى دليل المخصّص من فحص آخر لإحراز موضوع حكم
البراءة الشرعيّة في الشبهات البدويّة.
و هذا الفحص الثاني عن مقتضي البراءة وعن نفس الحجّة، بخلاف الفحص الأوّل، فإنّه عمّا يزاحم الحجّة.