الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٣٨١ - و الثانية في أنّه هل يقدّم أصالة عدم النسخ على أصالة العموم
الثالث: رواية«حلال محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»[١]بتقريب أنّ حكم الخاصّ أيضا إمّا حلال أو حرام، فبمقتضى عموم هذه الرواية يبقى إلى يوم القيامة، ولا ينسخ بورود العامّ بعده.
و لا يخفى أنّ المدرك لو كان هذه الرواية، لكان لدعوى تقديم أصالة عدم
النسخ على أصالة العموم مجال، فإنّ النسبة بين هذه الرواية وبين العامّ
الوارد بعد الخاصّ عموم من وجه، إذ عموم العامّ يقتضي وجوب إكرام كلّ عالم
حتى مورد الخاصّ، وعموم الرواية يقتضي بقاء كلّ حكم وعدم نسخه حتى حكم
الخاصّ، فيقدّم عموم الرواية، المقتضي للتخصيص والعمل بالخاصّ على عموم
العامّ، المقتضي للنسخ، لكثرة التخصيص وقلّة النسخ.
لكنّ الإنصاف أنّ هذه الرواية غير ناظرة إلى بقاء كلّ حكم من الأحكام وعدم
نسخه، بل ناظرة إلى أنّ هذه الشريعة لا تكون كسائر الشرائع موقّتة، بل
شريعة مستمرّة إلى يوم القيامة، والحلال من قبل هذا النبيّ صلّى اللّه عليه
وآله وسلّم حلال من قبل اللّه، وحرامه حرام من قبله تعالى، فهي ظاهرة في
أنّ نوع الأحكام باق، لا أنّ كلّ شخص من أشخاصها كذلك حتى تكون عامّة يمكن
التمسّك بها عند الشكّ في أصل بقاء الحكم، مثلا: نتمسّك بها إذا شككنا في
وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة، ونحكم ببقاء الوجوب، وإن لم تكن ظاهرة
فيما ذكر، فلا تكون ظاهرة في بقاء أشخاص الحكم أيضا، بل تكون مجملة لا
ظاهرة في هذا ولا في ذاك، فظهر أنّ المدرك منحصر بالاستصحاب، وقد عرفت أنّه
لا وجه لجريانه، فلا مناص عن الالتزام بأصالة العموم، والحكم بناسخيّة
العامّ. هذا في الجهة الثانية.
[١]الكافي ١: ٥٨-١٩ و٢: ١٧-١٨-٢.