شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٠٧
أجل علمك أو خطرك في أنفسنا فضلك وكمالك وشرفك على الخلق كلهم (فأجابه أمير المؤمنين (عليه السلام)) زجرا له عن مدحه وتنفيرا للمدوح عن حب المدح والسرور به ودخول العجب والفخر في قلبه (إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه) إذ يرى كل ما سواه محتاجا إليه خاضعا بين يديه وعظمة كل شئ مضمحلة في عظمته وذل العبودية والعجز موضوعا على رقبته وفي ذلك مراتب متفاوتة ودرجات متصاعدة كما يشعر به صدر الكلام (وإن أحق من كان كذلك) أي يصغر عنده لعظمته كل ما سواه (لمن عظمت نعمة الله عليه) دنيوية كانت أو أخروية (ولطف إحسانه إليه) أي بر وهو سبحانه لطيف بعباده أي بر بعباده محسن إليهم بإيصال المنافع برفق ولطف لأن ملاحظة عظمة الأثر تفضي إلى ملاحظة عظمة المؤثر (فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظما) ومن أعظم أفراد حقه حصر العظمة عليه ومشاهدة كل ما سواه صغيرا لديه (وإن من استخف حالات الولاة عن صالح العباد) أي أرداها وأقبحها ومنشؤها قلة العقل وسخافة الرأي ورقته (أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر) إذ هذه الخصلة مع إيجاب الشركة مع الواحد توجب البعد والتنفير وفشو الجور وعدم تمشي الأمور وجريان الأحكام عن القوانين العدلية، وإنما قال: عند صالح العباد اذلا اعتداد بظن فاسقهم وفيه تنبيه على أكثر الملوك إذ هم على هذا السلوك فليدرؤوا عن أنفسهم الموت وغيره من النوائب إن كانوا صادقين (وقد كرهت أن يكون جال) أي دار من الجولان (في ظنكم أني أحب الإطراء) في المدح (واستماع الثناء) على كما يحبهما أكثر الناس فإنهما لا يليقان إلا بالله سبحانه وفي غيره يوجبان الكبر والفخر والعجب بالعمل والنفس وهي أمور مهلكة (ولست بحمد الله كذلك) أي لم يكن في قلبه المطهر سوى الله تعالى ومن كان كذلك كيف يحب الفخر والإطراء ويضع أمره على الكبر ويحب استماع الثناء مع علمه بأن شيئا من ذلك لا يليق إلا بجناب الكبرياء (ولو كنت أحب أن يقال ذلك) في باعتبار ما فيه من اللذة الموهومة التي يعبرها الناس (لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق من العظمة والكبرياء) أي لو فرض أنى أحب أن يقال ذلك في باعتبار أن فيه لذة لتركته باعتبار أمر آخر وهو الانحطاط والتصاغر عن تناول ما الله أحق به من العظمة والكبرياء ونبه بذلك على أن الإطراء يستلزم التكبر والتعظم فكان تركه وكراهته لكونه مستلزما لهما (وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء) أي وجدوه حلوا بعد الفعل الجميل لما فيه من اللذة، وهذا تمهيد عذر لمن أثنى عليه فكأنه يقول: أنت معذور إذ رأيتني أجاهد في سبيل الخيرات وأحث الناس عليها ومن عادة الناس أنهم يستحلون الثناء بعد البلاء وفعل الخيرات فظننت أني مثلهم ثم نهى عن الثناء عليه على وجه يشعر بعدم استحقاقه