شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٤
ثم أشار إلى غاية الوصية وأقصى مراتب التحنن والرحمة وأعلاها بقوله (حتى حقت) أي ثبتت (لك مني الولاية) أي ولايتي لك أو ولايتك لي وهي بالفتح والكسر: المحبة والنصرة، أو ولايتك في الناس وهي النصرة والإمارة والسلطنة، وفي لفظ " مني " إشعار بأن ثبوت الولاية له من عونه تعالى وتوفيقه. (بتحريك مني المسرة) الباء للسببية، والتحري: طلب أحرى الأمرين وأولاهما، وإضافته إلى الكاف إضافة المصدر إلى الفاعل، والمسرة مفعوله وهي اسم لكل ما يوجب السرور، والجمع المسارة، يعني ثبوت الولاية لك بسبب طلبك ما يوجب سروري أو سرورك وهو الموصى به وغيره، وفي لفظ " مني " إشعار بما ذكرناه، وفي بعض النسخ " تنجز لك " فاعل " تنجز " ضمير راجع إلى الولاية، والمفعول بحاله يعني أن الولاية ينجز لك من عوني أو من لدني ما يوجب سرورك وهو القرب والسعادة والجنة ونعيمها الباقية والله أعلم. (فبوركت كبيرا وبوركت صغيرا حيثما كنت) أي جعلت مباركا ميمونا سببا لزيادة الخير والبركة نفاعا معلما للخير بعد البلوغ وقبله حيثما كنت من الأماكن الحسية والعقلية والمراتب الروحانية كما قال عز وجل حكاية عنه في التنزيل * (وجعلني مباركا أينما كنت) *. (أشهد أنك عبدي ابن أمتي أنزلني من نفسك كهمك) النزول من علو إلى الأسفل ويتعدى بالهمزة يقال أنزلته فنزل وأنزلت الضيف فهو نزيل، والنزل بضمتين ما يهيأ للضيف، و " من " بمعنى في، والهم المراد والمقصود، قال ابن فارس: الهم ما هممت به وأردته، والكلام من باب التمثيل والتشبيه أي اجعلني في نفسك ومرادك ومقصودك واجعل لي نزلا وهو القيام بوظائف الطاعات في جميع الحالات. وفي قوله " أشهد " أمر له باليقين وفي قوله " عبدي وابن أمتي " ترغيب له في الإتيان بحق العبودية والخضوع والابتهال بين يديه تعالى. (واجعل ذكري لمعادك) أمره بجعل ذكره تعالى قلبا ولسانا خالصا لوجهه لتنفعه بعد العود إليه (وتقرب إلي بالنوافل) قد يتقرب العبد إليه عز وجل بالنوافل والقيام بها والثبات عليها تقربا معنويا ويتصل به اتصالا روحانيا حتى يصير قوله كقوله وفعله كفعله وأمره كأمره فيصدر عنه حينئذ أمور غريبة وأفعال عجيبة، وفيه تشبيه لقربه بالقرب المكاني للإيضاح (وتوكل علي أكفك) أمره بالتوكل وضمن له الكفاية فإنه إذا توكل العبد عليه وصرف قلبه إليه وسكن سره واستقر أمره وأعرض عن أمور الدنيا وعكف بين يديه وقام بامتثال أوامره وترك نواهيه كفاه الله تعالى مهمات دنياه وأخراه كما قال في التنزيل * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) *. (ولا تول غيري فاخذلك) أي لا تتخذ غيري وليا ناصرا فأخذ لك وأترك نصرتك وعونك وأكلك إلى ذلك الغير وهو لا يقدر على شئ. (يا عيسى اصبر على البلاء) الصبر على البلاء أمر العقلاء، إذ العاقل يعلم أن البلاء جار لا