شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢١
أحد غيره تعالى وهو يؤخذ عليه ويحاسب به، وفيه تنبيه على وجوب الاستقامة في جميع الأحوال لئلا تتوجه إليه الخيانة والنكال (وكن ذليل النفس عند ذكري) باللسان والجنان، والذل مترتب على العلم بالاحتياج إليه من جميع الجهات فإنه يوجب ذل النفس وسلب العز عنها، ويتبعه الخشوع في القلب والصوت والبصر وسائر الجوارح فلذلك قال: (خاشع القلب حين تذكرني) خص خشوع القلب بالذكر لأنه إذا خشع خشعت الجوارح كلها كما دل عليه بعض الروايات (يقظان عند نوم الغافلين) أمر بالعبادة عنده لأنها أشق عملا وأكمل درجة وأجزل ثوابا وأفضل قربا. (يا عيسى هذه) المذكورات (نصيحتي إياك) خالصة من الإطراء والنقصان (وموعظتي لك) طاهرة من النقص والطغيان (فخذها مني) أخذ القبول والطاعة والانقياد. (فإني رب العالمين) تعليل لما سبق لأن هذا الوصف يقتضي نصيحتهم وموعظتهم وتربيتهم وإرشادهم إلى ما هو سبب العروج من حد النقص إلى الكمال، فعليه البيان والإرشاد والهداية وعليهم القبول والعمل والدراية. (يا عيسى إذا صبر عبدي في جنبي) أي في أمري التكليفي مثل الحج والصوم والصلاة والإيجادي مثل الفقر والنوائب والبليات أو في جانبي وسبيلي وهو الدين القويم والصراط المستقيم أو في حفظ أوليائي وتحمل الشدايد في متابعتهم، والجنب يطلق على هذه المعاني كما هو ظاهر لمن تتبع اللغة والاستعمال. والصبر على هذه الأمور من أعظم العبادات وأفضل القربات وأجره جزيل وثوابه جميل فلذلك قال: (كان ثواب عمله علي) حيث أحاله على ذاته المقدسة وخصه به إظهارا لمزيد الاعتناء به مع أن ثواب جميع الأعمال الصالحة عليه (وكنت عنده حيث يدعوني) بالقرب المعنوي المخصوص المقتضي لإجابة الدعاء وإفاضة الخير وإنزال الرحمة عليه، فلا يرد أنه تعالى عند كل أحد ولو كان كافرا. ثم بعدما بشر من إطاعة حذر من عصاه بقوله: (وكفى بي منتقما ممن عصاني) الباء زائدة وياء المتكلم فاعل كما في قوله تعالى * (وكفى بالله شهيدا) يقال كفى الشئ يكفيه كفاية فهو كاف إذا حصل به الاستغناء عن غيره * (والله غالب على كل شئ) * فلا يحتاج في الانتقام من أحد إلى غيره * (والله عزيز ذو انتقام). ثم حذرهم من الاغترار بالإمهال فقال: * (أين يهرب مني الظالمون) * لأنهم لو فروا فغاية فرارهم الوصول إليه إذ هم لا يخرجون من ملكه وملكه لا يخلو منه. (يا عيسى أطب الكلام) أمره بالتكلم بما ينفع ولا يضر وحفظ اللسان عن التسرع بما لا يعني وما يؤذي أحدا والله تعالى عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول.