شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١
الجسم والجسمانيات خلق من باب الإختراع لا من شئ سابق ومثال متقدم وإذا ثبت ذلك ثبت أن الأول في عالم الأمر وهو عالم الروح والروحانيات خلق كذلك لأن الصانع إذا كان قادرا مختارا عالما بوجوه المصالح يحيل الأشياء إلى أوقاتها باختياره ويوجد كلا في وقته من غير حاجة إلى شئ سابق ومثال متقدم فقال (وخلق الشئ الذي جميع الأشياء منه) في عالم الأجسام. (وهو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شئ إلى الماء ولم يجعل للماء نسبا يضاف إليه). هذا وغيره من الروايات صريح في أن الماء أول صنع في عالم الخلق وأنه لم يخلق من شئ فبطل ما ذهب إليه علماء العامة مثل القرطبي وغيره ونطقت به رواياتهم من أن الأول جوهرة أو ياقوتة خضراء فنظر إليها الجبار بالهيبة فانذابت وصارت ماء وتسخنت فارتفع منه دخان وزبد فخلق من الدخان السماء ومن الزبد الأرض، لا يقال الماء محتاج إلى المكان فكيف يكون هو الأول لأنا نقول المكان عدمي وهو البعد الموهوم كما صرح به بعض المحققين ثم حصل له تميز عن مطلق الموهومات وتعين بسبب خلق الماء فكان تميزه تعينه تابعا لخلق الماء، وبما ذكرنا في أول هذا الحديث ظهر أنه لا ينافي ما مر في كتاب الأصول في باب مولد النبي (صلى الله عليه وآله) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " قال الله تعالى يا محمد إني خلقتك وعليا نورا (يعني روحا) بلا بدن قبل أن أخلق سمواتي وأرضي وعرشي وبحري فلم تزل تهللني وتمجدني - الحديث " ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) قال " أول ما خلق الله روحي " وعنه أيضا " أول ما خلق الله العقل " ولا منافاة بين هذه الروايات لأن هذه الثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالحيثيات إذ هذا المخلوق الأول من حيث إنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره [١] وجودات غيره وفيضان الكمالات من المبدأ عليها سمي نورا، ومن حيث إنه حي
[١] قوله " من حيث أنه ظاهر بذاته ومظهر لظهوره " كلام دقيق مبني على أصول عقلية ونقلية وحاصله أن أول صادر من الواجب تعالى في السلسلة الطولية أعني العلل والمعلولات أشرف المخلوقات مطلقا لكونه أقرب إلى الواجب تعالى وليس إلا روح خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) وهو نور لتحقق معناه فيه وكونه ظاهرا بذاته ومظهرا لغيره وهو عقل لتقدم العقل على الجسم في مذهب الالهيين بخلاف الماديين فإن العقل عندهم فرع الجسم إذ ليس الإدراك والشعور عندهم إلا عرضا من عوارض المادة وتركيب العناصر فلابد عندهم من وجود الجمادات مقدما على العقل ولولا تركيب الأبدان ووجود الدماغ لم يكن فكر ولا عقل عندهم وأما عند الالهيين فالموجودات العاقلة مستقلة عن الجسم قائمة بذاتها والجسم مركب محتاج إلى موجود عاقل غير جسماني يحفظ أجزاءه ويقيمها كما ثبت في محله، وأما كون الماء أول المخلوقات فالمراد منه أول موجود جسماني لا أول الموجودات مطلقا كما علم مما مر، واعلم أن الإمام (عليه السلام) جرى هاهنا على اصطلاح الناس في ذلك العصر فإن العناصر عندهم كانت منحصرة في أربعة: الماء والهواء أي الريح، والنار، والأرض وبين (عليه السلام) أن الأصل هو الماء والثلاثة الأخرى مولدة منه وهو رأي ثاليس الملطي من قدماء اليونانيين وقال بعضهم: إن = (*)