شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٦
وتدبرته، ومن باب تعب لغة، ثم أطلق على المدرك بالكسر، ولهذا قال بعض الناس: العقل غريزة يتهيأ به الإنسان إلى فهم الخطاب. والتفكر تردد القلب بالنظر والتدبر والرؤية لطلب معرفة الشئ أوله وآخره وحسنه وقبحه ونفعه وضره وخيره وشره. (وانظر في نواحى الأرض كيف كان عاقبة الظالمين) أمر بالعبرة من أحوال الظالمين حيث كانوا في جنات وعيون وزروع ومقام كريم مع أنصار وأولاد وأحفاد واحترام عظيم قد أخذهم الله تعالى بتخريب ديارهم وتقلب أحوالهم وتدمير أدبارهم وتقطيع آثارهم وغير ذلك من بأس الله وصولاته ووقايعه ومثلاته فصاروا بحيث لم يبق منهم إلا اسم ولا من ديارهم إلا رسم، مأخوذين بأعمالهم مقيدين بسلاسل أفعالهم مغلولين بأغلال أطوارهم مشغولين بالحسرة والندامة محرومين عن الرحمة والكرامة، فإن من تفكر في هذا حصلت له ملكة الانزجار عن حلال الدنيا فضلا عن حرامها وفضيلة الانقطاع عن خلاف الأولى فضلا عن الظلم بأهلها. ثم رغبه في الأخذ بوصيته وقوله مع الوعيد بالعذاب على تركه بقوله: (يا عيسى كل وصفي لك نصيحة وكل قولي لك حق) أي كل ما بينته لك نصيحة خالصة وكل ما قلته لك حق ثابت لا ريب فيه، فوجب عليك الأخذ به (وأنا الحق المبين) أبان الشئ: ظهر، وأبانه: أظهره وأوضحه لازم متعد، فعلى الأول أشار إلى ظهور وجوده، وعلى الثاني أشار إلى أنه أظهر جميع ما يحتاج إليه الخلق في كمالهم وبينه لهم، والغرض على التقديرين هو الحث على اتباع قوله و " نصحه ". (فحقا أقول لئن أنت عصيتني بعد أن أنبأتك مالك من دوني ولي ولا نصير) وعيد عظيم للعالم التارك لعلمه بأن عقوبته أشد وأقوى وهو باللوم أجدر وأحرى من الجاهل، وقد دل عليه كثير من الروايات. (يا عيسى أذل قلبك بالخشية) قد مر أنها تابعة للعلم بالله وأنها إذا حصلت لأحد تبعثه على القيام بالعبودية ورعاية الآداب وأداء وظايف الطاعات وترك المنهيات والتقصير في شئ من الحقوق فهي أصل لقبول النصايح ولذلك أمر بها مرارا (وانظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى من هو فوقك) لأن ذلك يسهل أمر الدنيا والصبر على الفايت منها والرضا عن الرب بما أعطاه والحمد والشكر له بخلاف النظر إلى الفوق وقد مر وسيجئ أيضا، وهذا أصل عظيم لترك الدنيا والرضا بالمقدر. (واعلم أن رأس كل خطيئة أو ذنب هو حب الدنيا) الخطايا والذنوب كلها - مثل الكبر والحرص والحسد والزنا والرئاسة والعداوة والقتل وترك الأوامر للراحة وفعل المناهي للشهوة وغير ذلك - تابعة لحب الدنيا منبعثة من الميل إليها والخطيئة أعم من الذنب لأن ترك الأولى وخلاف المروة خطيئة وليس بذنب وفيه زجر عن حب الدنيا والركون إليها، وبالغ فيه فقال: (فلا تحبها فإني لا أحبها) لأن العاقل المحب لله تعالى لا يحب ما لا يحبه ويبغضه، ومن وجوه عدم