شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٨
تفويض الأمور كلها عليه والثقة به وقد ذكرنا حقيقة التوكل ومبدأه وفوائده في شرح كتاب العقل. (واستهديه وأستكفيه) أي أطلب منه الهداية الخاصة الى الخيرات والكفاية في المهمات (وأستقضيه بخير وأسترضيه) في كنز اللغة استقضاء " قاضي وحاكم كردن واخذ كردن حق " يقال استقضيته حقي أي أخذته واسترضاء " خشنودي خواستن " والمعنى أطلب منه أن يكون قاضيا حاكما لي بخير أو أطلب أخذ الخير منه وأن يكون راضيا عني وفيه تنبيه على أن هذه الأمور غاية المقاصد للإنسان الكامل وهو محتاج إلى طلبها لئلا يضل في الخاتمة ولا يذل في العاقبة فكيف غيره. (وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) قيل هاتان شهادتان مقرونتان لا تنفع إحدهما بدون الأخرى، والثانية بمنزلة الباب للأولى إذ لا يحصل التوحيد والحق إلا ببيان الرسول والإقرار به، وفي عبده إشارة الى شرف مرتبة العبودية (أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) الهدى: القرآن، والايمان والبيان والدلالة ودين الحق: الشريعة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) وإظهاره على الأديان كلها عند ظهور الصاحب (عليه السلام) كما دل عليه صريح بعض الروايات. (أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولاقرار) في كنز اللغة قرار " آرام گاه " كما قال تعالى * (ثم جعلناه في قرار مكين) * وقرار الأرض المستقر الثابت منها وفيه تنبيه للغافلين من أبناء الدنيا على أنه لا ينبغي لهم الركون إليها وقصد السكون فيها للزوم مفارقتها سريعا كما أشار إليه بقوله (إنما أنتم فيه كركب عرسوا فأناخوا، ثم استقلوا فغدوا وراحوا) الركب جمع راكب: الدابة كصحب جمع الصاحب، والتعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، والاستقلال: رفع الشئ وحمله ذهاب القوم، تقول استقله أي حمله ورفعه واستقل القوم: أي ذهبوا وارتحلوا، والغدو والرواح: الذهاب غدوة وعشية أي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وآخر النهار، ثم كثر استعمالها في الذهاب أي وقت كان من ليل أو نهار فهما متفارقان في الأصل ومتساويان في الاستعمال وقد خاطب الناس أجمعين من باب التغليب وشبههم بجماعة الفرسان من المسافرين وأشار الى وجه الشبه بقوله عرسوا الى آخره وهو متحقق في المشبه به حسا وفي المشبه عقلا أو شبههم بالذين ماتوا على أن يكون المراد بالركب الجماعة الماضين بقرينة ما بعده والوجه وهو ما ذكر متحقق في الطريفين عقلا، توضيح ذلك: أن الإنسان وهو النفس حقيقة بعد نزوله في هذا المنزل وهو الدنيا في مدته قليلة سائر الى دار الآخرة سريعا ومركبه البدن والقوى النفسانية، وطريق سيره هي العالم المحسوس والمعقول، وسيره هو تصرفه في العالمين لتحصيل السعادة أو الشقاوة في الآخرة وفيه ترغيب في الأول