شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٥
(وقال لرجل: أحكم أمر دينك كما أحكم أهل الدنيا أمر دنياهم) إحكام أهل الدنيا أمرها مع أنها غير محكمة لسرعة زوالها بتعلق قلوبهم الضعيفة وعقولهم السخيفة بها فسعوا لجمعها وتحصيلها وحفظها من كل وجه فليكن قلبك الكامل وعقلك الفاضل متعلقا بأمر الآخرة وتحصيل مقاماتها العالية ونعمائها الكاملة الباقية فهذب نفسك عن الرذائل التي أعظمها حب الدنيا والفانيات وأعمل بالصالحات الباقيات (وإنما جعلت الدنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الآخرة) لأن من تفكر في الدنيا وفي نعمائها الناضرة وآلائها الظاهرة وأمتعتها الفاخرة مع كونها سجنا ضيقا وبيتا منتنا ومحلا مبغوضا يبغضها الله تعالى يعرف الآخرة التي دار أحبها الله تعالى لأوليائه ويعرف قدر نعمائها وكمال آلاتها وشرف حالاتها وكمال مقاماتها ولذلك قال (فاعرف الآخرة بها) وأن الدنيا وما فيها من النعماء التي لا تحصى دليل واضح على معرفة الآخرة وما فيها من النعماء التي تعجز عن تعديدها عقول العقلاء وعن تحديدها فحول العلماء وعن معرفة تفاصيلها وكميتها وكيفيتها أذهان الأزكياء، ثم نهى عن النظر إلى الدنيا وتعليق القلب بزينتها الخداعة فقال (ولا تنظر إلى الدنيا إلا باعتبار) منها ومن زينتها الفانية إلى الآخرة وزينتها الباقية، وقد تكرر الأمر بالإعتبار في الأحاديث وله وجوه منها: النظر إلى الدنيا وتغيير أحوالها في نفسها فإنه يوجب الإنقطاع منها إلى الآخرة، ومنها النظر إلى شدائدها الزائلة فإنه يوجب الإنتقال إلى شدة شدائد الآخرة الباقية والتحرز عما يوجبها، ومنها النظر إلى نعيمها وزينتها الداثرة مع كونها مبغوضة فإنه يوجب الإنتقال إلى كمال نعيم الآخرة وزينتها الدائمة والإجتهاد لها، ومنها النظر إلى أحوال الماضين وما كانوا فيه من خضرة الأحوال وسعة الأرزاق والأموال وقطع أيديهم منها اضطرارا بالموت وسكونهم في التراب وفراقهم من الأحباب واشتغالهم بما معهم من الخير والشر والثواب والعقاب فانه يوجب تبرد القلب، منها والميل إلى الآخرة التي هي دار القرار ومن ثم قيل الدنيا واعظة لمن اتعظ منها فمن لم يتعظ منها ولم يجعلها على الآخره دليلا فهو كالحمار بل هو أضل سبيلا. * الأصل: ٣٣٨ - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لحمران بن أعين: يا حمران انظر إلى من هو دونك في المقدرة ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة فان ذلك أنفع لك بما قسم لك وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله جل ذكره من العمل الكثير على غير يقين. واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم ولا عيش