شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٢
يا عيسى صب لي الدموع من عينيك واخشع لي بقلبك. يا عيسى استغث بي في حالات الشدة فإني أغيث المكروبين وأجيب المضطرين وأنا أرحم الراحمين. * الشرح: (حديث عيسى بن مريم عليهما السلام) ذكر فيه من فضائل الأخلاق وجلائل الأوصاف وشرائف الصفات ولطايف الحالات ما يعجز عن ذكر وصفه الواصفون وعن إدراك كنهه العارفون (قال فيما وعظ الله تعالى به عيسى (عليه السلام)) أي أوصاه به وأمره بحفظه، والوعظ تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله تعالى بلفظ يرق له القلب (يا عيسى أنا ربك ورب آبائك) الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشئ من حد النقص إلى حد الكمال على سبيل التدريج، ثم أطلق على المالك والسيد وهو منكرا بلا إضافة مختص بالواجب، وكذا المعرف باللام إذا كان بمعنى المالك لأن اللام للعموم، والمخلوق لا يملك جميع المخلوقات. وقدم هذا الوصف لدلالته على أفضل النعماء وهو الإيجاد والتربية وفيه ترغيب على أداء حقوق الربوبية. (اسمى واحد) إذ لا تركيب فيه أصلا لا ذاتا ولا صفة، وكل ما سواه وإن كان بسيطا فهو مركب إما بحسب الصفات ومن ثم قيل لا وحدة في عالم الإمكان. (وأنا الأحد) إذ لا شريك له في ذاته وصفاته والوجوب والقدم وغيرها. (المتفرد بخلق كل شئ) إذ لا شريك له في فعله. ويستثنى منه ذاته تعالى وأفعال العباد، وفيه رد على من زعم أنه واحد لا يصدر عنه إلا واحد وأن خلق البواقي مستند إلى العقول [١] ومن زعم
[١] قوله " وأن خلق البواقي مستند إلى العقول ". شبهة راسخة في أذهان بعض الناس لا يكتنه العلماء غورها لبعد أذهانهم عن أذهان الناس فرب أمر يتمسكون به ويبنون عليه من غير أن يعثر أحد على وجهه ولا ريب أن لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى وأن سلسلة الأسباب ينتهي إلى واجب الوجود بالذات لامتناع التسلسل ولم يتردد فيه أحد إلا الملاحدة المنكرون للعقول ولكل موجود غير جسماني، فنسبة الفعل والتدبير إلى العقول كنسبة الخلق إلى عيسى (عليه السلام) حيث قال تعالى: * (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير فتكون طيرا باذني) * فكما أن نسبة الخلق إلى عيسى (عليه السلام) ليست مردودة باطلة بقوله " المتفرد بخلق كل شئ " لأن كل فاعل واسطة في إيصال الفيض من الله تعالى إلى سائر الممكنات كذلك نسبة الفعل إلى العقل أو إلى الملائكة الموكلين كنسبة إثارة السحاب إلى الريح في قوله تعالى * (يرسل الرياح فتثير سحابا) * ليست مردودة بخلق كل شئ، ولا أدري كيف يكون نسبة الأفعال إلى الأسباب الطبيعية كالحرارة إلى النار والضوء إلى الشمس والشفاء إلى الدواء غير مخالفة للتوحيد ويكون نسبة الفعل إلى العقول مخالفة، إلا أن يكون الرجل ماديا ينكر وجود المجردات أو وهابيا ينكر تأثير غير الأسباب الطبيعية كالقبور والأرواح والتربة المقدسة والخواتيم المنقوشة وليس ذلك كله مما يخفى على الشارح رحمه الله وكأنه أراد بذلك بعض المبتدئين في الفلسفة وكانوا كثيرين في عصره يأخذون بأصل ويتركون أصولا، يبينون فعل القول بيانا يظهر منه التفويض ويغفلون عن قول = (*)