شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٠
عيشه وقناعته وصبره على الجوع وتركه الدنيا ولذات نعيمها مع أن الدنيا وما فيها خلقت له يسهل الصبر على ضنك المعيشة والإعراض عن زهرات الدنيا ويزيل حبها عن القلب (وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله)) بذلك يسهل الصبر على المصيبة الحاضرة لأن المصيبة الصغرى لاقدر لها عند المصيبة الكبرى وفيه حث على الصبر في مواطن المكروه وزجر عن الجزع منه بتذكر تلك المصيبة التي لا أعظم منها ومن المجرب أن تذكر المصائب الواردة على الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) هانت له صورة مصائب الدنيا كلها. * الأصل: ١٩٠ - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن الحسن بن السري، عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر بنا ذات يوم ونحن في نادينا وهو على ناقته وذلك حين رجع من حجة الوداع فوقف علينا فسلم فرددنا (عليه السلام)، ثم قال: مالي أري حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب، وكأن الحق في هذه الدنيا على غيرهم وجب، وحتى كأن لم يسمعوا ويروا من خبر الأموات قبلهم، سبيلهم سبيل قوم سفر عما قليل إليهم راجعون، بيوتهم أجداثهم ويأكلون تراثهم، فيظنون أنهم مخلدون بعد هم هيهات هيهات [ أ ] ما يتعظ آخر هم بأولهم لقد جهلوا ونسوا كل واعظ في كتاب الله وأمنوا شر كل عاقبة سوء ولم يخافوا نزول فادحة وبوائق حادثة. طوبى لمن شغله خوف الله عز وجل عن خوف الناس. طوبى لمن منعه عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه. طوبى لمن تواضع لله عز ذكره وزهد فيما أحل الله له من غير رغبة عن سيرتي ورفض زهرة الدنيا من غير تحول عن سنتي واتبع الأخيار من عترتي من بعدي وجانب أهل الخيلاء ولاتفاخر والرغبة في الدنيا، المبتدعين خلاف سنتي العاملين بغير سيرتي. طوبي لمن اكتسب من المؤمنين مالا من غير معصية فأنفقه في غير معصية وعاد به على أهل المسكنة، طوبى لمن حسن مع الناس خلقه وبذل لهم معونته وعدل عنهم شره، طوبى لمن أنفق القصد وبذل الفضل وأمسك قوله عن الفضول وقبيح الفعل. * الشرح: قوله: (مالي أرى حب الدنيا قد غلب على كثير من الناس، هذا حال أكثر كل عصر لغموض أمر الآخرة وخفاء أحوالها مع اغماضهم عين البصيرة عنها وظهور أمر الدنيا ونعيمها، مع ميل طبايعهم إليها وضعف عقولهم عن ادراك قبايحها وكشف مفاسدها، فصار ذلك سببا لحب الدنيا وترك الآخرة (حتى كأن الموت في هذه الدنيا على غيرهم كتب)، لكون حالهم شبيهة بحال من يظن