شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٨
تقرب بأحسن غنم عنده، وتقرب قابيل بأردأ قمح عنده، ووضعا قربانهما على جبل فنزلت نار بيضاء من السماء ووقعت على قربان هابيل دون قابيل، وقيل: لأن نية هابيل كانت خالصة ونية قابيل كانت غير خالصة، وقيل: لإن قابيل كان مصرا على كبيرة لا يقبل الله معها طاعة كما يرشد إليه قول هابيل * (إنما يتقبل الله من المتقين) *. (ثم إن إبليس لعنه الله أتاه وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم) مثله مروي من طرق العامة أيضا قال الأزهري: معناه أن الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه، وقال: هذا على طريق ضرب المثل، والأكثر أجروه على ظاهره وقالوا: إن الشيطان جعل له هذا المقدار من التطرق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته فيجري في العروق التي هي مجاري الدم من الآدمي إلى أن يصل إلى قلبه فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته، ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوته ويقظته ودوام ذكره واخلاص توحيده ويشهد لذلك ظواهر الكتاب والسنة ويذعن لجوازه في القدرة الربانية العقول السليمة وقد ذكرناه مفصلا في شرح الأصول. (فانطلق آدم (عليه السلام) فوجد هابيل قتيلا) الظاهر أنه وجد مدفونا لأن الظاهر أن قابيل بعد قتله دفنه في الأرض بتعليم غراب بعثه الله يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه فقال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب. (فقال آدم لعنت من أرض) وقبلت اللعن (كما قبلت دم هابيل) لعنت بكسر التاء خطاب مع القطعة التي قتل فيها هابيل وبسكونها مسند إلى ضميرها و " من " على التقديرين للتفسير والبيان لها أو للتبعيض للدلالة على أن الملعونة يعني البعيدة عن الخير ونزول الرحمة هي تلك القطعة من الأرض لا جميعها إذ للأرض قطع هي مجال للخير والفيض والبركة والرحمة وقد شاع ذم الزمان والمكان باعتبار وقوع الفعل فيهما. (فولد له غلام فسماه هبة الله لأن الله عز وجل وهبه له) دل على أنه (عليه السلام) كان يعرف لغة العرب ويتكلم بها وقيل اسمه في السريانية شيث والتسمية بهبة الله من العرب. (وأخته توأم) عطف على غلام، وفيه رد لما ذكره بعض العامة من أنه تولد من حواء منفردا بخلاف سائر الإخوة. (فاجعل العلم الذي عندك...) لعل المراد بالعلم العلم بالأحكام وغيرها مما أوحى إليه وبالإيمان أصول الدين وأركانه كالتوحيد ونحوه، وبالاسم الأكبر الإسم الأعظم أو الكتاب، روى المصنف في باب ما نص الله ورسوله على الأئمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال " الاسم الأكبر هو الكتاب الذي يعلم به علم كل شئ الذي كان مع الأنبياء عليهم السلام وبميراث العلم الإرشاد والتعليم والهداية والخلافة وباثار علم النبوة الصلاح والكرامات والأسرار التي لا يجوز للنبي إظهاره لغير الوصي وفي كتاب معارج النبوة أن آدم (عليه السلام) عند وصيته إلى شيث أخرج صندوقا أبيض وفتح قفله