شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٠٩
(فإني لست في نفسي بفوق أن أخطأ) هذا تواضع لله باعث لهم على الانبساط معه بقول الحق مثل قول يوسف (عليه السلام) * (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء) * (ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني) أي أقوى مني على رفعه وكفايته من شرورها وهو إسناد عصمته إلى الله تعالى (فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا مالا نملك من أنفسنا) لظهور أنه تعالى يملك منا لأنفسنا وميولنا وخواطرنا ومؤننا واستعدادنا للخير إذ الكل منه ونواصينا بيده، وفيه ترغيب في التمسك بذيل ربوبيته للارتقاء من حضيض النقص إلى أوج الكمال (وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه) من الضلالة الجاهلية إلى شرف الهداية ببعثة الرسول وإنزال الكتاب وفيه تنبيه على ما كانت العرب عليه وإن لم يكن (عليه السلام) متصفا بصفاتهم وإنما أدخل نفسه المقدسة لأنه أدخل في قبول نصحه (فأبدلنا بعد الضلالة) عن سبيل الحق وانقطاع أثره في الجاهلية (بالهدى) بنور النبوة (وأعطانا البصيرة) القلبية التي بها يدرك الحق ويميز بينه وبين الباطل (من بعد العمى) أي عمى القلب عن إدراك الحق إذ الجهالة والضلالة وظلمة الكفر كانت محيطة بالربع المسكون قبل البعثة كما مر في كتاب العلم من الأصول، وفيه حث على أداء شكر تلك النعمة بمتابعة الدين وأهله (فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل) تصديقا لما قاله (عليه السلام) وبدا بأن ثناءنا عليك لما أوجب الله عز وجل علينا من توقيرك وتعظيمك وأداء شكر نعمه الجليلة التي هي أنه جعلك إمامنا وهادينا ومالك سياسة أمورنا (فقال: أنت أهل ما قلت والله) من أنك لا تحب الفخر والكبر لنفسك تعظيما لربك ولا يثقل قول الحق وعرض العدل عليك إلى غير ذلك (والله فوق ما قلته) لأن صفاتك الجميلة وكمالاتك الجزيلة لا يبلغها الأوهام ولا تحيط بها الأفهام (فبلاؤه عندنا ما لا يكفر) أي إحسانه وإنعامه ونعمته تعالى عندنا بسبب فيضك الشامل وجودك الهاطل لا يجحد، يقال: كفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا إذا جحدها وسترها وهو كافر أي جاحد لأنعم الله تعالى. (وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا) أي حفظنا عن سبيل الضلالة والوقوع في الجهالة والراعي كل من ولى أمر قوم وحفظهم عما يهلكهم أو يضرهم (وولاك سياسة أمورنا) أي أمرها ونهيها، تقول: سست الرعية سياسة إذا أمرتها ونهيتها (فأصبحت علمنا الذي نهتدي به) شبهه (عليه السلام) بالعلم وهو المنصوب في الطريق للاهتداء به (وأمرك رشد): أي صواب وهداية إلى سبيل الخير وإرشاد للخلق إلى مصالحهم (وقولك كله أدب) أي حسن عدل لكونه جاريا على القوانين العدلية (قد قرت بك في الحياة أعيننا) القرة بالضم: البرودة وهي كناية عن السرور لأن دمعة السرور باردة ويمكن أن يكون قرت بمعنى استقرت أي استقرت وسكنت بوجودك وفيضك أعيننا بحيث لا