شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٩
وتحذير عن الثاني (دخلوا خفافا وراحوا خفافا) الخفاف ضد الثقال وضمير الجمع للركب أي دخلوا في الدنيا خفافا من متاعها وراحوا منها إلى الآخرة خفافا منه وفيه تنفير للناس عن الدنيا وزهراتها لأنهم لا يحملون معهم عند الارتحال إلى الآخرة شيئا منها فينبغي أن لايصرفوا أعمارهم في تحصيلها (لم يجدوا عن مضى نزوعا) المضي بالفتح فالسكون " گذشتن ورفتن " والنزوع بضم النون " ابا نمودن وبا كسى در چيزى مخالفت كردن وباز ايستادن "، يقال: نزع عن الأمر نزوعا انتهى عنه وأباه (ولا إلى ما تركوا رجوعا): أي لم يجدوا رجوعا الى ما تركوا من الدنيا والمساكن والأموال وغيرها، والمراد أن رحيلهم من الدنيا الى الآخرة وقطع عقبات الموت وما بعده أمر اضطراري وليس لهم قدرة على الرجوع الى الدنيا بعد الخروج منها ليتداركوا ويعملوا عملا صالحا وفيه حث على رفض الدنيا وفضول الدنيا وفضول زهراتها وما يلهيهم عن تحصيل دار الآخرة وأخذما ينبغي أحذه بها لئلا يقعوا في حسرة وندامة لا تنفع. (جدبهم فجدوا) الجد بالكسر: الاجتهاد في الأمر وضد الهزل وفعله من بابي ضرب وقتل أي جد المضي والذهاب من الدنيا بهم فجدوا فيهما اضطرارا (وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا) أي مالوا إلى الدنيا واعتمدوا عليها فما استعدوا لأمر الآخرة لأن الدنيا والآخرة لا يجتمعان وركن من أبواب علم وقعد ومنع، والثاني: غير فصيح، والثالث: من باب تداخل اللغتين لأن شرطه أن يكون العين أو اللام حرف حلق (حتى إذا أخذ بكظمهم) أي بحلقهم ومخرج نفسهم والجمع كظام وهو كناية عن موتهم (وخلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم) الخلوص الصفاء ويستعار للوصول وفي كنز اللغة: " خلوص بكسى رسيدن وبچيزى پيوستن " والمراد بالأقلام: أقلام كرام الكاتبين، والإضاقة لأدنى ملابسة وجفافها كناية عن انقطاع عملهم، ويحتمل أن يكون جفاف أقلامهم كناية عن جريان ماكتب في اللوح المحفوظ من مقادير أحوالهم الخيرية والشرية عليهم تمثيلا للفراغ منها بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه (لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر) لعل المراد بالخير خبر أسمائهم وأفعالهم وصفاتهم وبالأثر أثر مساكنهم وأموالهم وقبورهم، وقيد بالأكثر لبقاء خبر بعضهم وأثر بعد في الجملة (قل في الدنيا لبثهم وعجل إلى الآخرة بعثهم) أي إرسالهم إليها بالموت وهذا في اللفظ خبر وفي المعنى أمر بالإعراض عن متاع الدنيا والإقبال الى متاع الآخرة لأن هذه الحالة جارية في جميع الخلق كما أشار إليه بقوله (فأصبحتم حلولا في ديارهم ظاعنين على آثارهم) الإصباح: الدخول في الصباح وبمعنى الصيرورة أيضا، والحلول: جمع الحال كالقعود جمع القاعد، والديار: جمع الدار والمراد بها الدنيا أو مساكنهم ومنازلهم، والظعن: الارتحال والظاعن المرتحل وفي جعل ظاعنين حالا عن فاعل أصبحتم دلالة على اتحاد زمان الحلول والارتحال مبالغة وفيه تحريك للنفوس العاقلة الى الاستعداد للارتحال وتجهيز سفر الآخرة (والمطايا بكم يسير سيرا)