شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٧
(وعندي دار خير مما يجمعون) لكمال زينتها وبقائها وبقاء أهلها ونعيمها أبدا، وفيه ترغيب في طلبها كما في السابق تنفير عن الدنيا. (يا عيسى كيف إذا أخرجت لكم كتابا ينطق بالحق وأنتم تشهدون بسراير قد كتمتوها وأعمال كنتم بها عاملين) ترغيب في الطاعة وتحذير عن المعصية بذكر الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وذكر صعوبة الأحوال والتخلص منها عند مشاهدتها وذلك لأن الإنسان إذا علم أنه يكتب عليه جليات أموره وخفياتها وأنه يؤخذ بها ويحاسب عليها وقتا ما حصلت له ملكة البواعث على الطاعات والزواجر عن المنهيات، ولذلك كرر ذكر الحفظة وكتبها أعمال العباد في القرآن الكريم. (يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم) دنس ثوبه وعرضه تدنيسا إذا فعل به ما يشينه، وليس الظلم والذم باعتبار غسل الوجوه فإنه مطلوب بل باعتبار تدنيس القلوب بالعقائد الكاسدة والآمال الفاسدة والمخاطرات القبيحة والأخلاق الذميمة وقد وجب تطهيرها عن هذه الصفات الرذيلة وتزيينها بالأخلاق الجميلة لأن القلب أشرف أعضاء الإنسان وعرش الرحمن وموضع نوره وسره ومعدن حكمه وذكره وقد أمر سبحانه بذلك فمن بدله بما ذكر فهو مغرور جرى كما أشار إليه بقوله: (أبى تغترون أم على تجترون ؟) الاغترار " خدعة كردن وفريب دادن ونمودن باطل را بصورت حق " والاجتراء " دليرى كردن " فكأنه بهذه الصفة إما مخادع أو جرى محارب مع ربه، وفيه وعيد عظيم لهم ليذكروا ويرجعوا. (تطيبون بالطيب لأهل الدنيا وأجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة) توبيخ لهم في إزالة نتن أدناس الظواهر بالطيب والعطر للناس وترك إزالة نتن أمراض القلوب بأدويتها لله مع أنه أقرب إليها منهم إلى الظواهر وما ذلك إلا لتعظيمهم وتحقيره تعالى كأنكم أقوام ميتون في النتن أو بعدم الانتفاع بالزواجر والنصايح. (يا عيسى قل لهم قلموا أظفاركم من كسب الحرام) قلمت الظفر قلما من باب ضرب: قطعته وأخذته، وقلمته بالتشديد مبالغة وتكثير في الاجتناب عن كسب الحرام والاحتراز منه لأنه يسود القلب ويبعد عن الرب ويورث العقوبة في الدنيا والآخرة. (وأصموا أسماعكم عن ذكر الخنا) زجرهم عن استماع الكلام الفاحش لكونه معصية ومانعة عن ذكر الله ومسودا للقلب مفسدا له، قال الله تعالى في التنزيل في وصف قوم صالحين: * (وإذا مروا باللغوا مروا كراما * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما). (وأقبلوا علي بقلوبكم) لكل عضو إقبال وادبار إقباله هو الإتيان بما هو مطلوب منه، وادباره هو الإتيان بضده، وإنما خص إقبال القلب بالطلب لأن القلب أشرف الأعضاء وأكمل، فإقباله وهو تذكر الرب وعدم الغفلة عنه أشرف وأفضل لأن إقباله مسلتزم لإقبال غيره من الأعضاء.