شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٢
(وكن حيث ما كنت عالما متعلما) ترغيب في اكتساب فضيلة العلم والتعلم لأن عليهما مدار التكليف والرجوع إلى الله تعالى وتنبيه على أن العالم وإن بلغ حد الكمال في ظنه لابد له من أن يتعلم لأن العلم بحر لا ينزف كما دل عليه قوله تعالى * (وفوق كل ذي علم عليم) * ودل عليه أيضا حكاية موسى مع الخضر عليهما السلام ولذلك أمر الله تعالى سيد المرسلين وهو أعلم العالمين طلب الزيادة في العلم بقوله * (وقل رب زدني علما) *. (يا عيسى أفض بالحسنات إلي حتى يكون لك ذكرها عندي) أي ذكر أجرها وثوابها أو ذكر نفسها وكأنه على الأخير من باب التمثيل لأن أحدنا إذا أرسل هدية إلى صديقه فمتى رآها الصديق يذكرها ويذكر صاحبها وفي الإفاضة إشعار بإكثار الحسنات (وتمسك بوصيتيي فإن فيها شفاء للقلوب) من أمراض الجهل ورذائل الأخلاق ووساوس الشيطان. (يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري) مكر مكرا من باب قتل خدع فهو ماكر وأمكر بالألف لغة ومكر الله وأمكر جازى على المكر وسمي الجزاء مكرا كما سمى جزاء السيئة سيئة مجازا على سبيل مقابلة اللفظ باللفظ (ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري) لما كان أعظم المطالب الدينية ذكر الله تعالى أمر به مرارا مبالغة فيه وهو من أعمال الصالحين، قال الله تعالى في مدحهم * (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) * وفي الذكر جلاء للقلوب وأنس بالله وهو ثمرة محبته فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره والغرض من جميع العبادات هو الذكر قال الله تعالى * (أقم الصلاة لذكري) * وبالجملة كل عقد وقول وفعل يقصد به الله تعالى فهو ذكره. (يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع إلي) حساب النفس متوقف على الرجوع إلى الله تعالى لأن حسابها عبارة عن ملاحظة طاعتها ومعصيتها له فينبغي أن يعرف كل أحد أنه يرجع إلى الله تعالى وأنه تعالى يثيبه إن أطاع ويعاقبه إن عصى فإذا حصلت له هذه المعرفة اشتغل بنفسه ويحاسبها في كل يوم وفي كل ساعة فينظر إلى خواطرها وأفعالها وقيامها وقعودها وحركاتها وسكناتها وجميع أعمالها الظاهرة والباطنة على سبيل التفصيل فما كان منها موافقا لإرادة الله تعالى دام عليه وشكر وما كان مخالفا لإرادته فر منه واستغفر وما كان من المباحات رفضه فرارا عما لا ينفعه في الآخرة فإذا دام على ذلك حصلت له ملكة الانقطاع إلى الطاعة والنفرة عن المعصية. ثم أشار إلى غاية حساب النفس وفائدته ترغيبا فيه بقوله: (حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون) استنجز حاجته ويستنجزها: استظفر بها أي تجد ثوابه يوم القيامة عند البعث منجزا بلا تأخير ولا توقيف للحساب لأنك أديت حسابك في الدنيا، أو تجد ثوابه به منجزا في الدنيا وهو السعادة الروحانية الأبدية التي هي قرب الحق وفيضه آنا فآنا وهو عند العارفين أعظم من الثواب الجسماني والله أعلم. (أولئك يؤتون أجرهم) كاملا بل أضعافا مضاعفة (وأنا خير المؤتين) إذ لا نقص في إعطائه