شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٧
(فأشهد أنها آمنة من عذابي ما لم تبدل أو تغير سنتي) أشهد إما متكلم أو أمر، وفي التفريع دلالة على أن الأمن من العذاب متوقف على الخشوع والرجاء وأن الأمن منه ثابت لها ما لم تبدل هذه الحالة بحالة التطاول والترفع وما لم تغير شيئا من السنة (يا عيسى ابن البكر البتول) البتل: القطع، سميت بتولا لكونها عذراء منقطعة عن الأزواج أو عن الدنيا. (ابك على نفسك بكاء من قد ودع الأهل وقلي الدنيا وتركها لأهلها وصارت رغبته فيما عند إلهه) أشار بذلك إلى أعلى درجات الزهد ورغبته في تحصيله حيث أمره أولا بوداع الأهل والميل إلى سفر الآخرة وتفويض حالهم إلى ربهم لأن الاشتغال بأمورهم مانع من هذا السفر، وثانيا بقلي الدنيا وبغضها لأن محبتها أيضا مانعة، وثالثا بتركها لأهلها الراغبين إليها لأن بغضها مع عدم تركها أيضا مانع، ورابعا بالرغبة فيما عند الله تعالى من قربه وإحسانه والسعادة الأبدية والنعماء الاخروية. فإذا حصلت هذه المراتب لأحد دخل في مقام المحبة وهو ما دام في هذه الدار لا يخلو عن فراق ما من المحبوب وكأن شأنه البكاء فلذلك أمره ببكاء من كان على الوصف المذكور فلذلك قيل: العارفون المحبون يبكون شوقا إلى المحبوب، والمذنبون يبكون من خوف الذنوب. (يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام يقظان إذا نامت عيون الأبرار) لما كان التآلف والتلطف من أسباب تحقق النظام بين الأنام حض على السبب الجالب لها من لين الكلام وإفشاء السلام وقوله " تلين " و " تفشي " و " يقظان " أخبار، والأول مضارع لين بالتشديد أو ألان يقال لينت الشئ وألنته وألينته على النقصان والتمام مثل أطلته وأطولته أي صيرته لينا، والثاني من الإفشاء بمعنى الإذاعة والإشهار والثالث مفرد غير منصرف للوصفية والألف والنون المزيدتين وترك العطف فيه لأنه جايز في الأخبار المتعدد مع رعاية عدم التناسب وعدم قصد الاشتراك في الإعراب ويجوز أن يكون الأول والثاني مصدر التفعل المضاف إلى فاعله لكنه بعيد لخلوه عن ضمير الاسم وعدم حمله عليه إلا بتأويل، وفي إضافة العيون إلى الأبرار مبالغة في طلب اليقظة منه عليه السلام كما لا يخفى، والظاهر أن " حذرا " مفعول له للخبر الأخير أو للكل على احتمال وأن المراد بالزلازل زلازل الساعة وهي شديدة عظيمة كما قال تعالى: * (إن زلزلة الساعة شئ عظيم) *. (يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن) من أهوال القيامة وشدائد مقاماتها أو من خوف سوء الخاتمة وانعكاس الأحوال أو من ألم الفراق (إذا ضحك البطالون) الغافلون عن جميع ذلك والكحل معروف وفعله من باب منع ونصر وتشبيه الحزن به وهو تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح مكنية وذكر الميل تخييلية، والمراد بالعين عين القلب لأنه مورد الحزن وبميل الحزن أسبابه الموجبة لحصوله فيه وفي بعض النسخ " بملمول الحزن " وهو الميل. (يا عيسى كن خاشعا صابرا فطوبى لك إن نالك ما وعد الصابرون) أمره أولا بالخشوع والتذلل في الظاهر والباطن، وثانيا بالصبر على مشاق الطاعات وترك المنهيات وعند نزول