شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٦
(يا عيسى راع الليل لتحري مسرتي) رعاية الليل حفظ ساعاته للقيام بوظائف طاعاته وإنما خص الليل بالذكر مع أن الطاعات مطلوبة في جميع الأوقات لأن الشغل في الليل أقل والقلب فيه أفرغ والعبادة فيه أخلص (واظمأ نهارك ليوم حاجتك عندي) أمر من ظمأ مهموز اللام كفرح إذا عطش، نهارك مفعول فيه وهو كناية عن الصوم، لا من أظمأه غيره ونهارك مفعول به والتعلق مجاز عقلي، فإنه بعيد. (يا عيسى نافس في الخير جهدك تعرف بالخير حيث ما توجهت) الخير اسم جامع لكل ما هو مطلوب شرعا وقد أمره به على سبيل المنافسة والمغالبة بقدر الطاقة والإمكان وأشار إلى أن غايته المترتبة عليه غير الثواب الأخروي معرفة الخلق إياه به وذلك من فضل الله عليه ليذكروه به ويتأسوا به كما دل عليه بعض الروايات ولا دلالة فيه على جواز قصد ذلك من عمل الخير أن الظاهر جوازه لا للسمعة والرياء بل لما ذكر أو لإرادة ظهور نعمته تعالى وفعل الخير والتوفيق عليه من أجل نعمائه ولذلك قال خليل الرحمن * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين). (يا عيسى احكم في عبادي بنصحي) أي ينصح لي، من باب الحذف والإيصال، والنصح: الخلوص، ولعل المراد به نصيحتهم لوجه الله وأمرهم بما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة وهذا الحكم أفضل الأعمال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه وقم فيهم بعدلي لدفع الظلم والجور بينهم وبهذا الحكم والقيام يتم نظامهم في الدارين فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصدور من مرض الشيطان لأن مرض الشيطان ووسواسه في صدور المؤمنين إما في أمر الدنيا أو في أمر المبدأ والمعاد وأمر الآخرة وقد أنزل الله تعالى عليه من العلوم الدينية والقوانين الشرعية والأسرار الحكمية والمواعظ الرباينة والنصايح الإلهية ما يعالج به جميع ذلك. (يا عيسى لا تكن جليسا لكل مفتون بالدنيا) أو المعصية لئلا تتشبه بهم ومن تشبه بقوم فهو منهم ولئلا يميل طبعك إلى طبعهم فإن الفتنة علة مسرية ولئلا يصيبك عذاب إن نزل بهم. (يا عيسى حقا أقول) " حقا " منصوب بفعل مذكور أي: أقول قولا حقا، أو بفعل مقدر قبله لوجود المفسر له، وهذا القول الحق هو قوله (ما آمنت بي خليقة إلا خشعت لي) الخليقة الناس والخشوع " فروتنى كردن " وهو ضد التطاول والترفع، ومبدؤه العلم بأن كل موجود مقهور في تصريف قدرته تعالى ومربوط بربقة الحاجة إليه فإن هذا العلم يوجب تخشعه وتخضعه في الأفعال القلبية والبدنية وإقباله إليه تعالى، وهذا صريح في أن الإيمان الذي ليس معه خشوع ليس بإيمان حقيقة. (ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي) لأن رجاء ثوابه يوجب الإقبال إلى ما يوجبه بقلب خاشع له تعالى فلولا رجاء الثواب لم يحصل الخشوع، ألا ترى أنك إذا لم ترج من زيد شيئا لا تخشع له أصلا، ومن هاتين المقدمتين ظهر أن الإيمان لا يتحقق بدون رجاء الثواب والعمل له.