مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٥ - زار الرشيد الفضيل بن عياض فوعظه فبكى
تُرْفَعُ كُرْبَةُ الشَّكْوَى وَ تُشْتَكَى شِدَّةُ الْبَلْوَى فَمَتَى تُمِلْ إِلَيْنَا طَرْفاً وَ تُزَوِّدْنَا مِنْكَ عَطْفاً يُؤْتِكَ اللَّهُ فَلَاحاً[١] رَزَقَ اللَّهُ رَعِيَّتَكَ مِنْكَ التَّحَنُّنَ وَ ظَاهَرَ عَلَيْنَا[٢] مِنْكَ التَمَنُّنَ.
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ قَالَ لِيَ الرَّشِيدُ إِنِّي عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أَرَى الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَ النَّاسِ جَمِيعاً فَأَخَافُ أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَسْتَخِفَّهُ[٣] فَقَالَ كَلَّا مَا عَزَمْتُ عَلَى إِتْيَانِهِ إِلَّا وَ قَدْ وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى احْتِمَالِ كَلَامِهِ يَا سُفْيَانُ إِنَّ عِزَّ التَّقْوَى لَا يُزَاحِمُهُ رُكْنَا إِمْرَةٍ وَ لَا خِلَافَةٍ قَالَ سُفْيَانُ فَلَقِيتُ الْفُضَيْلَ وَ لَقَّنْتُهُ بِمَا قَالَ الرَّشِيدُ فَقَالَ مَا أَعْقَلَهُ لَوْ لَا أَنَّهُ يُحِبُّ الْعَاجِلَةَ ثُمَّ قَالَ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي وَ أَكْرَهُ ذَلِكَ أَمَّا مَحَبَّتِي لِأَنْ يَأْتِيَنِي فَلَعَلِّي أَعِظُهُ بِمَوْعِظَةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا هَؤُلَاءِ النَّاسُ وَ أَمَّا كَرَاهَتِي بِمَجِيئِهِ فَلِأَنِّي أَرَاهُ يُرْقِلُ[٤] فِي النِّعَمِ عَارِياً مِنَ الشُّكْرِ قَالَ ثُمَّ أَذِنَ فَمَضَيْتُ مَعَ الرَّشِيدِ إِلَيْهِ وَ قَدِ اخْتَلَطَ الظَّلَامُ وَ عَلَى الرَّشِيدِ طَيْلَسَانٌ غَسِيلٌ قَدْ غَطَّى بِهِ رَأْسَهُ فَلَمَّا هَجَمْنَا عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ وَ شَمَّ الرَّائِحَةَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ رَائِحَةَ الْخُلْدِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِأَوْلِيَائِكَ الْمُتَّقِينَ فَقُلْتُ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَرَفَعَ طَرْفَهُ إِلَيْهِ وَ عَيْنَاهُ تَقْطُرُ وَ قَالَ أَنْتَ هُوَ يَا حَسَنَ الْوَجْهِ ثُمَّ وَعَظَهُ فَجَعَلَ الرَّشِيدُ يَبْكِي حَتَّى اشْتَدَّ نَشِيجُهُ[٥] فَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ ازْدَدْ مِنْ هَذَا فَمَا أَعْرِفُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَشَدَّ حَاجَةٍ إِلَيْهِ مِنْكَ قَالَ ثُمَّ وَثَبَ إِلَى صَلَاتِهِ وَ مَا كَانَ ذَلِكَ إِلَّا لَحْظَ الطَّائِرِ فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى بَعْضِ الدَّارِ قَالَ لِيَ الرَّشِيدُ يَا سُفْيَانُ مَا رَأَيْتُ التَّقْوَى عَلَى وَجْهِ أَحَدٍ قَطُّ أَبْيَنَ مِنْهَا فِي وَجْهِ هَذَا الشَّيْخِ وَ لَوْ لَا التَّجَشُّمُ مِنْكَ لَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَدِدْتُ أَنْ تَكُونَ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَيَكْتُبَ اللَّهُ لَكَ ثَوَابَهُ وَ أَجْرَهُ فَقَالَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ كَتَبَ لِي ثَوَابَهُ بِالنِّيَّةِ وَ لَوْ لَمْ أَفْعَلْ.
عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَكْرَمَ مِنْ أَبِيكَ
[١] بعض النسخ[ و يرزقك صلاحا].
[٢] بعض النسخ[ عليها] و هو الانسب هنا و فيما قبل من الضميرين و لو لا مخافة التصرف لاثبتنا ها كذلك في المواضع.
[٣] بعض النسخ[ فتستخفيه].
[٤] ارقل البعير: اسرع. ارقلت النخلة: طالت. و ارقل المفازة: قطعها و لم يوجد معنى آخر و الانسب المعنى الأول و لا يبعد أن يكون يرفل بالفاء يقال: عيش رفل اي واسع.
[٥] النشيج: الغص بالبكاء من غير انتحاب اي تنفس شديد.