مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٢٠ - حكاية من اعتزل عن الناس و ما قاله
وَ كَانَ يَقُولُ يَا دَارُ تَخْرَبِينَ وَ يَفْنَى سُكَّانُكَ وَ يَا نَفْسُ اعْمَلِي تُرْزَقِي وَ يَا جَسَدُ انْصَبْ تَسْتَرِحْ
مِنْ بَعْضِ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع إِنَّ مَعَ كُلِّ أُكْلَةٍ غصص [غَصَصاً] وَ مَعَ كُلِّ شَرْبَةٍ شرق [شَرَقاً] وَ لَنْ تُنَالَ نِعْمَةٌ إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى
قَالَ بَعْضُهُمْ مَرَرْتُ بِخَرَابَةٍ وَ مَعِي صَاحِبٌ فَقَالَ نَادِ أَيْنَ أَهْلُكِ فَنَادَيْتُ فَقَالَتْ ذَهَبُوا وَ بَقِيَتِ الْأَعْمَالُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ مَرَرْتُ بِسُوَيْقَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَ قَدْ خَرِبَتْ وَ إِذَا عَلَى حَائِطٍ مِنْهَا مَكْتُوبٌ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ
|
هَذِي مَنَازِلُ أَقْوَامٍ عَهِدْتُهُمْ |
فِي خَفْضِ عَيْشٍ وَ عِزِّ مَا لَهُ خَطَرٌ |
|
|
صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا |
إِلَى الْقُبُورِ فَلَا عَيْنٌ وَ لَا أَثَرٌ |
|
.
قَالَ بَعْضُهُمْ اجْتَزْتُ بِفِنَاءِ خَرِبَةٍ كَانَتْ دَارَ الْفُقَهَاءِ[١] فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي فِي الْخَرَابِ وَ قُلْتُ شِعْراً
|
نَادِ رَبَّ الدَّارِ ذَا الْمَالِ الَّذِي |
جَمَعَ الدُّنْيَا بِحِرْصٍ مَا فَعَلَ |
|
. فَأَجَابَنِي هَاتِفٌ مِنَ الْخَرِبَةِ
|
كَانَ فِي دَارٍ سِوَاهَا دَارُهُ |
عَلَّلَتْهُ بِالْمُنَى حَتَّى انْتَقَلَ |
|
.
مَرَّ بَعْضُهُمْ بِرَجُلٍ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ رَثَّةٌ قَدْ جَمَعَ عِظَاماً وَ هِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقْلِبُهَا فَقَالَ لَهُ مَا قِصَّتُكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَ مَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى مِنْ سُوءِ الْحَالِ وَ شُفُوفِ الْجِسْمِ[٢] فِي هَذِهِ الْفَلَاةِ وَ شُحُوبِ اللَّوْنِ وَ الِانْفِرَادِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا مَا تَرَى مِنْ تَغَيُّرِ حَالِي وَ تَحَوُّلِ جِسْمِي فَإِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ وَ بِي مُوَكَّلَانِ مُزْعِجَانِ يَحْدُوَانِ بِي إِلَى مَنْزِلٍ ضَنْكِ الْمَحَلِّ مُظْلِمِ الْقَعْرِ كَرِيهِ الْمَقَرِّ ثُمَّ يُسَلِّمَانِّي إِلَى مُصَاحَبَةِ الْبِلَى وَ مُجَاوَرَةِ الْهَلْكَى بَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى فَلَوْ تُرِكْتُ بِذَلِكَ مَعَ خَفَائِهِ وَ ضِيقِهِ وَ وَحْشَتِهِ وَ تَقَطُّعِ أَحْشَائِي فِيهِ وَ ارْتِعَاء خِشَاشِ الْأَرْضِ[٣] فِي لَحْمِي وَ عَصَبِي وَ عِظَامِي حَتَّى أَعُودَ رُفَاتاً وَ كَانَ لِلْبَلَاءِ انْقِضَاءٌ وَ لِلشَّقَاءِ نِهَايَةٌ لَنَسِيتُ لَكِنَّنِي أُدْفَعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى صَيْحَةِ الْحَشْرِ وَ أُرَدُّ إِلَى أَهْوَالِ مَوَاقِفِ الْجَزَاءِ ثُمَّ لَا
[١] كذا في المطبوعة و في المخطوطة[ القهامة] و يحتمل[ القهارمة] جمع القهرمان و هو امين الدخل و الخرج.
[٢] شف الجسم شفونا من باب نصر: نحل.
[٣] خشاش الأرض بالكسر: حشراتها و العصافير و نحوها.