مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢١٥ - إنّ للّه خواصّا من خلقه لأنّهم كانوا أعقل و سارعوا إلى ربّهم و لم يرغبوا في الدنيا
غَيْرِهِ سَعِدَ هُوَ بِهِ وَ شَقِيَ ذَلِكَ بِهِ وَ رَجُلٌ نَظَرَ إِلَى عِلْمِهِ فِي مِيزَانِ غَيْرِهِ سَعِدَ هُوَ بِالْعَمَلِ وَ شَقِيَ ذَلِكَ بِجَمْعِهِ
وَ قَالَ ص رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْماً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ رُدَّتْ فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ يَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَ هُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَ فَلَا يَعْقِلُونَ
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ الْعَالِمُ طَبِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ الْمَالُ الدَّاءُ فَإِذَا كَانَ الطَّبِيبُ يَجُرُّ الدَّاءَ إِلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَقَعُ الثِّقَةُ بِهِ
وَ قَالَ ع لَا تَطْلُبُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَ لَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَ لَا لِتَصْرِفُوا بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَ لَكِنْ تَعَلَّمُوهُ لِلَّهِ وَ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا كَالْغَرِيبِ لَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا وَ لَا يُنَافِسُ فِي عِزِّهَا لِأَهْلِهَا حَالٌ وَ لَهُ حَالٌ قَدْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ وَ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي شُغُلٍ
وَ قِيلَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ لَهُ إِنَّ فُلَاناً جَارِي يُؤْذِينِي فَقَالَ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُ وَ كُفَّ أَذَاكَ عَنْهُ فَمَا لَبِثَ يَسِيراً أَنْ جَاءَ فَقَالَ لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ جَارِي ذَاكَ مَاتَ فَقَالَ كَفَى بِالدَّهْرِ وَاعِظاً وَ بِالْمَوْتِ مُفَرِّقاً إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَهُ فِي قَبْرِهِ لَبَكَيْتَ عَلَيْهِ طُولَ عُمُرِكَ
وَ قِيلَ إِنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ سَعْدٌ يَعُودُهُ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَبَكَى فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا أَبْكِي حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا وَ لَا حُبّاً لَهَا وَ لَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْداً فَقَالَ لِيَكُنْ بَلَاغُ أَحَدِكُمْ كَزَادِ الرَّاكِبِ فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزْنَا أَمْرَهُ وَ هَذِهِ الْأَسَاوِدُ[١] حَوْلِي وَ لَيْسَ حَوْلَهُ إِلَّا مِطْهَرَةٌ وَ إِجَّانَةٌ وَ جَفْنَةٌ
وَ قَالَ ثَوْبَانُ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا يَكْفِينِي مِنَ الدُّنْيَا قَالَ مَا سَدَّ جَوْعَتَكَ وَ وَارَى عَوْرَتَكَ وَ إِنْ كَانَ لَكَ بَيْتٌ يُظِلُّكَ فَبَخْ بَخْ وَ إِنْ كَانَ لَكَ دَابَّةٌ تَرْكَبُهَا فَذَاكَ وَ أَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ
[١] جمع الأسودة و هي جمع السواد ضد البياض و أريد بها الأعيان من الادوات و الأثاث.