مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٨ - ما قاله عمر بن عبد العزيز حين اجتاز بالمقابر
أَجَلُهُ فَتُغَيِّبُونَهُ فِي صَدْعٍ مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ تَتْرُكُونَهُ غَيْرَ مُوَسَّدٍ وَ لَا مُمَهَّدٍ فَارَقَ الْأَحْبَابَ وَ خَلَعَ الْأَسْلَابَ وَ سَكَنَ التُّرَابَ وَ وَاجَهَ الْحِسَابَ فَقِيراً إِلَى مَا قَدَّمَ غَنِيّاً عَمَّا تَرَكَ.
قِيلَ اجْتَازَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْماً بِالْمَقَابِرِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُبُورِ بَكَى ثُمَّ قَالَ هَذِهِ قُبُورُ آبَائِنَا وَ أُمَّهَاتِنَا وَ أَهْلِنَا وَ جِيرَانِنَا وَ حَشْدِنَا[١] شَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي عَيْشِهِمْ وَ لَذَّاتِهِمْ أَ مَا تَرَاهُمْ صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَ اسْتَحْكَمَ فِيهِمُ الْبَلَاءُ فَأَصَابَتِ الْهَوَامُّ فِي أَبْدَانِهِمْ مُقْبِلًا ثُمَّ بَكَى حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ وَ قَالَ وَ اللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَداً أَسْعَدَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْحُفْرَةِ مِمَّنْ قَدْ أَمِنَ عَذَابَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَكْفَانٍ لَا تُبْلَى وَ زَادٍ لَا يَنْقُصُ قِيلَ وَ مَا هُمَا قَالَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ وَ تَقْوَى اللَّهِ. وَ كَانَ يَقُولُ إِنَّ الدُّنْيَا بَقَاؤُهَا قَلِيلٌ وَ عَزِيزُهَا ذَلِيلٌ وَ غَنِيُّهَا فَقِيرٌ وَ حَيُّهَا يَمُوتُ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ إِقْبَالُهَا مَعَ مَعْرِفَتِكُمْ بِسُرْعَةِ زَوَالِهَا وَ إِدْبَارِهَا فَالْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا أَيْنَ سُكَّانُهَا الَّذِينَ بَنَوْا مَدَائِنَهَا وَ شَقَّقُوا أَنْهَارَهَا وَ أَقَامُوا فِيهَا أَيَّاماً يَسِيرَةً فَاغْتَرُّوا بِصِحَّتِهِمْ فَرَكِبُوا الْمَعَاصِيَ كَانُوا وَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا مَغْبُوطِينَ بِالْأَمْوَالِ عَلَى كَثْرَةِ الْمَنْعِ مَحْسُودِينَ عَلَى جَمْعِهِ كَانُوا فِي الدُّنْيَا عَلَى سُرُرٍ مُمَهَّدَةٍ وَ فُرُشٍ مُنَضَّدَةٍ وَ مِنْ خَدَمٍ يُخْدَمُونَ وَ أَهْلٍ يُكْرَمُونَ وَ جِيرَانٍ يُقْصَدُونَ فَنَادِهِمْ إِنْ كُنْتَ مُنَادِياً وَ ادْعُهُمْ إِنْ كُنْتَ دَاعِياً فَاسْأَلْ غَنِيَّهُمْ مَا بَقِيَ مِنْ غِنَاهُ وَ اسْأَلْ فَقِيرَهُمْ مَا بَقِيَ مِنْ فَقْرِهِ وَ اسْأَلْهُمْ عَنِ الْجُلُودِ الرَّقِيقَةِ وَ الْوُجُوهِ الْحَسَنَةِ وَ الْأَلْوَانِ النَّاعِمَةِ مَا صَنَعَ بِهَا الْبِلَى وَ أَثَّرَ فِيهَا الثَّرَى فَكَمْ مِنْ نَاعِمٍ وَ نَاعِمَةٍ أَضْحَوْا وَ وُجُوهُهُمْ بَالِيَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ مُتَبَايِنَةٌ يَا سَاكِنَ الْقَبْرِ غَداً مَا يَغُرُّكَ الْيَوْمَ مِنَ الدُّنْيَا هَلْ تَظُنُّ أَنَّكَ تَسْتَصْحِبُ دَارَكَ الْفَيْحَاءَ[٢] وَ نَهَرَكَ الْمُطَّرِدَ[٣] وَ ثِمَارَكَ الْيَانِعَةَ وَ أَطْعِمَتَكَ الْحَاضِرَةَ أَوْ يُحْمَلُ مَعَكَ رِقَاقُ ثِيَابِكَ وَ فَاخِرُ طِيبِكَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ كَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا كُنْتَ عَنْهُ تَحِيدُ وَ كَانَ يَقُولُ تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّهُ زَيْنُ الْغَنِيِّ وَ عَوْنُ الْفَقِيرِ لَيْسَ بِأَنْ يَجْتَذِبَ بِهِ الدُّنْيَا وَ لَكِنْ يَدْعُوهُ إِلَى الْقُنُوعِ وَ قِيلَ لَهُ يَوْماً لَوِ اتَّخَذْتَ حَرَسِيّاً وَ احْتَرَسْتَ فِي طَعَامِكَ وَ شَرَابِكَ كَمَا فَعَلَ مَنْ
[١] الحشد بفتحتين: الجماعة.
[٢] الفيحاء مؤنث الافيح و هو الواسع. دار فيحاء: واسعة.
[٣] اطرد الأنهار: جرت و هو من باب الافتعال.