مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٨٢ - ابتلاء أحد العلماء بالآكلة و قطع رجله و تسلّيه بمن هو أشدّ ابتلاء منه و مراتب شكره
أَتَانِي وَ مَعَهُ خَصْمٌ لَهُ فَلَمَّا جَلَسَا إِلَيَّ قُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْحَقَّ لَهُ وَ وَجِّهِ الْقَضَاءَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَمَّا اخْتَصَمَا إِلَيَّ كَانَ الْحَقُّ لَهُ فَرَأَيْتُ ذَلِكَ بَيِّناً فِي الْقَضَاءِ لَهُ فَوَجَّهْتُ الْقَضَاءَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَأَصَابَنِي مَا رَأَيْتِ لِمَوْضِعِ هَوَايَ كَانَ مَعَهُ وَ إِنْ وَافَقَهُ الْحَقُ
عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْكَفَافَ وَ الْعَفَافَ وَ مَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَ وَلَدَهُ
قَالَ قَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُرْوَةَ فَدَخَلَ مُحَمَّدٌ دَارَ الدَّوَابِّ فَضَرَبَتْهُ دَابَّةٌ فَخَرَّ مَيِّتاً وَ وَقَعَتْ فِي رِجْلِ عُرْوَةَ الْآكِلَةُ وَ لَمْ يَدَعْ وِرْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ اقْطَعْهَا فَقَالَ لَا فَتَرَقَّتْ إِلَى سَاقِهِ فَقَالَ اقْطَعْهَا وَ إِلَّا أَفْسَدَتْ عَلَيْكَ جَسَدَكَ فَقَطَعَهَا بِالْمِنْشَارِ وَ هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ وَ قَالَ لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً وَ قَدِمَ عَلَى الْوَلِيدِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ فِيهِمْ رَجُلٌ ضَرِيرٌ فَسَأَلَهُ الْوَلِيدُ عَنْ عَيْنِهِ وَ سَبَبِ ذَهَابِهَا فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كُنْتُ لَيْلَةً فِي بَطْنِ وَادٍ وَ لَا أَعْلَمُ عَبْسِيّاً تَزِيدُ حَالُهُ عَلَى حَالِي فَطَرَقَنَا سَيْلٌ فَذَهَبَ بِمَا كَانَ لِي مِنْ أَهْلٍ وَ وَلَدٍ وَ مَالٍ غَيْرَ بَعِيرٍ وَ صَبِيٍّ مَوْلُودٍ وَ كَانَ الْبَعِيرُ صَعْباً فَنَدَّ[١] فَوَضَعْتُ الصَّبِيَّ وَ اتَّبَعْتُ الْبَعِيرَ فَلَمْ أُجَاوِزْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَمِعْتُ صَيْحَةَ الصَّبِيِّ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُ رَأْسَ الذِّئْبِ فِي بَطْنِهِ يَأْكُلُهُ وَ لَحِقْتُ الْبَعِيرَ لِأَحْبِسَهُ فَنَفَحَنِي[٢] بِرِجْلِهِ فِي وَجْهِي فَحَطَمَهُ[٣] وَ ذَهَبَتْ عَيْنِي فَأَصْبَحْتُ لَا مَالَ وَ لَا أَهْلَ وَ لَا وَلَدَ وَ لَا بَصَرَ فَقَالَ الْوَلِيدُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى عُرْوَةَ لِيَعْلَمَ أَنَّ فِي النَّاسِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ بَلَاءً وَ شَخَصَ عُرْوَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَتَتْهُ قُرَيْشٌ وَ الْأَنْصَارُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبْشِرْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَدْ صَنَعَ اللَّهُ بِكَ خَيْراً وَ اللَّهِ مَا بِكَ حَاجَةٌ إِلَى الْمَشْيِ فَقَالَ مَا أَحْسَنَ مَا صَنَعَ اللَّهُ لِي وَهَبَ لِي سَبْعَ بَنِينَ فَمَتَّعَنِي بِهِمْ مَا شَاءَ ثُمَّ أَخَذَ وَاحِداً مِنْهُمْ وَ تَرَكَ لِي سِتَّةً وَ وَهَبَ لِي سِتَّةَ جَوَارِحَ فَمَتَّعَنِي بِهِنَّ مَا شَاءَ ثُمَّ أَخَذَ وَاحِدَةً وَ تَرَكَ لِي خَمْساً يَدَيْنِ وَ رِجْلَيْنِ وَ سَمْعاً وَ بَصَراً ثُمَّ قَالَ إِلَهِي إِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ وَ إِنْ كُنْتَ ابْتَلَيْتَ فَقَدْ عَافَيْتَ
عَنِ الرِّضَا ع خَيْرُ مَالِ الْمَرْءِ ذَخَائِرُ الصَّدَقَةِ[٤]
[١] ندا البعير ندودا و ندادا و ندا: نفر و ذهب شاردا.
[٢] نفحته الدابّة: ضربته بحد حافرها.
[٣] حطمه حطما من باب ضرب: كسره.
[٤] في المطبوعة[ ذخائره الصدقة].