مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٣٦ - كلام لأمير المؤمنين عليه السّلام في ذمّ الدنيا
وَ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا مَشْغَلَةٌ مِنْ غَيْرِهَا وَ لَمْ يُصِبْ صَاحِبُهَا مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا فَتَحَتْ لَهُ حِرْصاً عَلَيْهَا وَ لَهَجاً بِهَا[١] وَ لَمْ يَسْتَغْنِ صَاحِبُهَا بِمَا نَالَ فِيهَا عَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْهَا وَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ فِرَاقُ مَا جَمَعَ وَ نَقْضُ مَا أَبْرَمَ وَ لَوِ اعْتَبَرْتَ بِمَا مَضَى حَفِظْتَ مَا بَقِيَ
وَ مِنْ كَلَامِهِ ع فِي ذَمِّ الدُّنْيَا هَيْهَاتَ مَنْ وَطِئَ دَحْضَتَكِ[٢] زَلِقَ وَ مَنْ رَكِبَ لُجَجَكِ غَرِقَ وَ مَنِ ازْوَرَّ[٣] عَنْ حَبَائِلِكِ وُفِّقَ وَ السَّالِمُ مِنْكِ لَا يُبَالِي أَنْ ضَاقَ بِهِ مُنَاخُهُ وَ الدُّنْيَا عِنْدَهُ كَيَوْمٍ حَانَ مِنْهُ انْسِلَاخُهُ اغْرُبِي عَنِّي فَوَ اللَّهِ لَا أَذِلُّ لَكِ فَتَسْتَذِلِّينِي وَ لَا أُسَاسُ[٤] لَكِ فَتَقُودِينِي وَ ايْمُ اللَّهِ يَمِيناً أَسْتَثْنِي فِيهَا بِمَشِيَّةِ اللَّهِ لَأَرُوضَنَّ نَفْسِي رِيَاضَةً تَهِشُ[٥] مَعَهَا إِلَى قُرْصِ الشَّعِيرِ إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهِ مَطْعُوماً وَ تَقْنَعُ بِالْمِلْحِ أُدْماً وَ لَأَدَعَنَّ مُقْلَتِي كَعَيْنِ مَاءٍ نَضَبَ مَعِينُهَا[٦] مُسْتَفْرِغَةً دُمُوعَهَا أَ تَمْتَلِي السَّائِمَةُ مِنْ رَعْيِهَا فَتَبْرُكَ وَ تَشْبَعُ الرَّبِيطَةُ مِنْ عُشْبِهَا فَتَرْبِضَ وَ يَأْكُلُ عَلِيٌّ مِنْ زَادِهِ فَيَهْتَجِعَ[٧] قَرَّتْ إِذاً عَيْنُهُ إِذَا اقْتَدَى بَعْدَ السِّنِينَ الْمُتَطَاوِلَةِ بِالْبَهِيمَةِ الْهَامِلَةِ وَ السَّائِمَةِ الْمَرْعِيَّةِ طُوبَى لِنَفْسٍ أَدَّتْ إِلَى رَبِّهَا فَرْضَهَا وَ عَرَكَتْ بِجَنْبِهَا بُؤْساً وَ هَجَرَتْ فِي اللَّيْلِ غُمْضَهَا حَتَّى إِذَا الْكَرَى[٨] غَلَبَهَا افْتَرَشَتْ أَرْضَهَا وَ تَوَسَّدَتْ كَفَّهَا فِي مَعْشَرٍ أَسْهَرَ عُيُونَهُمْ خَوْفُ مَعَادِهِمْ وَ تَجَافَتْ عَنْ مَضَاجِعِهِمْ جُنُوبُهُمْ وَ هَمْهَمَتْ بِذِكْرِ رَبِّهِمْ شِفَاهُهُمْ وَ تَقَشَّعَتْ[٩] بِطُولِ اسْتِغْفَارِهِمْ ذُنُوبُهُمْ
قَالَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ع يَقُولُ إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَالِمَ مُحِبّاً لِدُنْيَاهُ فَاتَّهِمُوهُ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ كُلَّ مُحِبٍّ لَيْسَ يَحُوطُ إِلَّا مَا أَحَبَ
[١] اللهج بفتح اللام و الهاء: الولع و الحرص.
[٢] الدحضة واحد الدحض بالفتح و بسكون الثاني: الزلق من الامكنة.
[٣] ازور عنه بتشديد اللام: انحرف عنه.
[٤] ساس القوم سياسة من باب نصر: تولى امرهم و دبرهم و جعلهم رعايا.
[٥] هش هشاشة من بابى منع و ضرب: ارتاح و نشط. خف للمعروف.
[٦] نضب نضبا من باب نصر: سال و جرى. نضب الماء نضوبا من بابى ضرب و نصر: غار فى الأرض. و المعين: الماء الصافي.
[٧] اهتجع: نام و كذا هجع هجوعا من باب منع.
[٨] الكرى بفتحتين مصدر قولهم كرى الرجل من باب علم إذا نعس.
[٩] تقشع السحاب: انكشف و زال. و قشعه قشعا من باب منع: فرقه.