مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٥٥ - ما ينبغي لمن جعله اللّه سائسا للناس
|
تَعَيَّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عِدَادُنَا |
فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيلٌ |
|
|
وَ مَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَ جَارُنَا |
عَزِيزٌ وَ جَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلٌ |
|
.
و إنما ذكرت هذه الأبيات الأربعة هاهنا لأن فيها معاني حسنة لمن يتأملها.
قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ سَائِساً لِلنَّاسِ عَامَّتِهِمْ وَ خَاصَّتِهِمْ وَ ضَعِيفِهِمْ وَ قَوِيِّهِمْ أَنْ لَا يَضْجَرَ مِمَّا يَبْلُغُهُ عَنْهُمْ أَوْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَنَّ عَقْلَهُ فَوْقُ عُقُولِهِمْ وَ حِلْمَهُ أَفْضَلُ مِنْ حِلْمِهِمْ وَ صَبْرَهُ أَتَمُّ مِنْ صَبْرِهِمْ وَ مِنْهَا أَنَّهُمْ جُعِلُوا تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَ سُطُوا[١] بِتَدْبِيرِهِ وَ اخْتُبِرُوا بِتَصْرِيفِهِ عَلَى أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ لِيَقُومَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِمْ وَ يَحْمِلَ بِفَضْلِ قُوتِهِ كَلَّهُمْ وَ يَصْبِرَ عَلَى جَهْلِ جَاهِلِهِمْ وَ يَكُونَ عَمُودُ حَالِهِ مَعَهُمُ الرِّفْقَ بِهِمْ وَ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِهْم وَ مِنْهَا أَنَّ الْعِلَاقَةَ الَّتِي بَيْنَ السُّلْطَانِ وَ الرَّعِيَّةِ قَوِيَّةٌ لِأَنَّهَا إِلَهِيَّةٌ وَ هُوَ أَوْشَجُ[٢] مِنَ الرَّحِمِ الَّتِي بَيْنَ الْوَالِدِ وَ الْوَلَدِ وَ الْمَلِكُ وَالِدٌ كَبِيرٌ كَمَا أَنَّ الْوَالِدَ مَلِكٌ صَغِيرٌ وَ مَا يَجِبُ عَلَى الْوَالِدِ فِي سِيَاسَةِ وَلَدِهِ مِنَ الرِّفْقِ بِهِ وَ الْحِنَّةِ عَلَيْهِ[٣] وَ الرِّقَّةِ لَهُ وَ اجْتِلَابِ الْمَنْفَعَةِ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ فِي طَاعَةِ وَالِدِهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ غِرٌّ[٤] قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْكَوْنِ وَ جَاهِلٌ بِالْحَالِ وَ عَارٍ مِنَ التَّجْرِبَةِ كَذَلِكَ الرَّعِيَّةُ شَبِيهَةٌ بِالْوَلَدِ وَ كَذَلِكَ الْمَلِكُ شَبِيهٌ بِالْوَالِدِ وَ مِمَّا يَزِيدُ هَذَا كَشْفاً أَنَّ الْمَلِكَ لَا يَكُونُ مَلِكاً إِلَّا بِالرَّعِيَّةِ كَمَا أَنَّ الرَّعِيَّةَ لَا تَكُونُ رَعِيَّةً إِلَّا بِالْمَلِكِ وَ هَذَا مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُتَضَايِفَةِ وَ سَبَبُ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ الْمَحْضَةِ[٥] وَ الْوُصْلَةِ الْوَشِيجَةِ مَا لَهِجَتْ[٦] بِهِ الْعَامَّةُ وَ الْخَاصَّةُ لِتُعْرَفَ حَالُ سَائِسِهَا النَّاظِرِ فِي أَمْرِهَا وَ الْمَالِكِ لِزِمَامِهَا حَتَّى يَكُونَ فِي رَفَاهِيَةٍ مِنْ عَيْشِهَا وَ طِيبِ حَيَاتِهَا وَ دُرُورِ[٧] مُرَادِهَا بِالْأَمْنِ الْفَاشِي بَيْنَهَا وَ الْعَدْلِ الْفَائِضِ عَلَيْهَا وَ الْخَيْرِ الْمَجْلُوبِ إِلَيْهَا وَ هَذَا أَمْرٌ جَارٍ عَلَى نِظَامِ الطَّبِيعَةِ وَ
[١] سطا به و عليه سطوا و سطوتا من باب نصر: قهره.
[٢] وشج وشجا من باب وعد: اشتبك و منه ما ياتى من الوشيجة.
[٣] الحنة بالكسر: العطوفة.
[٤] قد مضى آنفا ان الغر الشاب لا خبرة له بالامور.
[٥] يحتمل كون المحصة بالمهملة كما في بعض النسخ اي الشديدة يقال في الخيل: محص اي شديد، و بالمعجمة اي الخالصة الصريحة.
[٦] لهج بالشيء لهجا بفتحتين من باب منع: ولع به و واظب عليه. و في بعض النسخ[ يهجب]
[٧] بعض النسخ[ دور].