مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٣ - رأفة الخليفة المعتضد بالرعيّة لمّا رفع إليه حال جماعة يخوضون في الأراجيف
وَ قَدْ تَفَاقَمَ فَسَادُهُمْ فَلَمَّا عَرَفَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ ضَاقَ ذَرْعاً بِالرَّفِيعَةِ[١] وَ خَرَجَ مَعَهَا وَ امْتَلَأَ غَيْظاً وَ دَعَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَ رَمَى بِالرَّفِيعَةِ إِلَيْهِ وَ قَالَ انْظُرْ فِيهَا وَ تَفَهَّمْ فَفَعَلَ وَ شَاهَدَ مِنْ تَرَبُّدِ وَجْهِهِ مَا أَزْعَجَ سَاكِنَ صَدْرِهِ وَ شَرَّدَ آلِفَ صَبْرِهِ وَ قَالَ قَدْ فَهِمْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ فَمَا الدَّوَاءُ قَالَ تَتَقَدَّمُ بِأَخْذِهِمْ وَ صَلْبِ بَعْضِهِمْ وَ إِحْرَاقِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ إِذَا اخْتَلَفَتْ كَانَ الْهَوْلُ أَشَدَّ وَ الْهَيْبَةُ أَفْشَى وَ الزَّجْرُ أَنْجَعَ وَ الْعَامَّةُ أَخْوَفَ فَقَالَ الْمُعْتَضِدُ وَ كَانَ أَعْقَلَ مِنَ الْوَزِيرِ وَ اللَّهِ لَقَدْ بَرَّدْتَ لَهِيبَ غَضَبِي بِقَسْوَتِكَ وَ نَقَلْتَنِي إِلَى اللِّينِ بَعْدَ الْغِلْظَةِ وَ دَفَعْتَنِي إِلَى الرِّفْقِ مِنْ حَيْثُ أَشَرْتَ بِالْحَرَقِ وَ مَا عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَخِيرُ مِثْلَ هَذَا فِي دِينِكَ وَ هَدْيِكَ وَ مُرُوَّتِكَ وَ لَوْ أَمَرْتُكَ بِبَعْضِ مَا رَأَيْتَ بِعَقْلِكَ لَكَانَ مِنْ حُسْنِ الْمُوَازَرَةِ وَ مَبْذُولِ النَّصِيحَةِ وَ النَّظَرِ لِلرَّعِيَّةِ الضَّعِيفَةِ الْجَاهِلَةِ أَنْ تَسْأَلَنِي الْكَفَّ وَ تَبْعَثَنِي عَلَى الْحِلْمِ وَ تُحَبِّبَ إِلَيَّ الصَّفْحَ وَ تُرَغِّبَنِي فِي فَضْلِ الْإِعْفَاءِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَ لَقَدْ سَاءَنِي جَهْلُكَ بِحُدُودِ الْعِقَابِ وَ بِمَا يُقَابَلُ بِهِ الْجَرَائِرُ وَ بِمَا يَكُونُ كِفَاءً لِلذُّنُوبِ وَ لَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ بِهَذَا الرَّأْيِ وَ دَلَلْتَ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَ قِلَّةِ الرَّحِمِ وَ يُبْسِ الطِّينَةِ[٢] وَ رِقَّةِ الدِّيَانَةِ أَ مَا تَعْلَمُ أَنَّ الرَّعِيَّةَ وَدِيعَةُ اللَّهِ عِنْدَ سُلْطَانِهَا وَ أَنَّ اللَّهَ سَائِلُهُ عَنْهَا كَيْفَ سَاسَهَا وَ لَعَلَّهُ يَسْأَلُهَا عَنْهُ فَإِنْ سَأَلَهَا فَلِتَوْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ[٣] مِنْهَا أَ لَا تَدْرِي أَنَّ أَحَداً مِنَ الرَّعِيَّةِ لَا يَقُولَ مَا يَقُولُ إِلَّا لِظُلْمٍ قَدْ لَحِقَهُ أَوْ لَحِقَ جَارَهُ وَ دَاهِيَةٍ نَالَتْ صَاحِباً لَهُ وَ كَيْفَ تَقُولُ لَهُمْ كُونُوا صَالِحِينَ أَتْقِيَاءَ مُقْبِلِينَ عَلَى مَعَايِشِكُمْ غَيْرَ خَائِضِينَ فِي حَدِيثِنَا وَ لَا سَائِلِينَ عَنْ أَمْرِنَا وَ الْعَرَبُ تَقُولُ فِي كَلَامِهَا غَلَبَنَا السُّلْطَانُ فَلَبِسَ فَرْوَتَنَا وَ أَكَلَ خُضْرَتَنَا وَ حَنَقُ[٤] الْمَمْلُوكِ عَلَى الْمَالِكِ مَعْرُوفٌ وَ إِنَّمَا يُحْتَمَلُ السَّيِّدُ عَلَى ضُرُوبِ تَكَالِيفِهِ وَ مَكَارِهِ تَصَارِيفِهِ إِذَا كَانَ الْعَيْشُ فِي كَنَفِهِ رَافِعاً وَ الْأَمَلُ فِيهِ قَوِيّاً وَ الصَّدْرُ عَلَيْهِ بَارِداً وَ الْقَلْبُ مَعَهُ سَاكِناً أَ تَظُنُّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْجَهْلِ يَنْفَعُ وَ الْعُذْرَ بِهِ يَقْنَعُ لَا وَ اللَّهِ مَا الرَّأْيُ مَا رَأَيْتَ وَ مَا الصَّوَابُ مَا ذَكَرْتَ وَجْهَ صَاحِبِكَ وَ لْتَكُنْ ذَا خِيَرَةٍ وَ رِفْقٍ وَ مَعْرُوفٍ وَ تَخَبُّرٍ وَ صِدْقٍ حَتَّى تَعْرِفَ حَالَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَ تَقِفَ عَلَى شَأْنِ
[١] بعض النسخ[ الرقعة] و كذا فيما يليه.
[٢] بعض النسخ[ بئس الطينة].
[٣] بعض النسخ[ و لعله يسأله عنها فان سألها فليتوكد الحجة عليه].
[٤] الحنق بالحاء المهملة وزان الفرس و الكتف: شدة الاغتياظ و يصرف من باب علم.