مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٤ - رأفة الخليفة المعتضد بالرعيّة لمّا رفع إليه حال جماعة يخوضون في الأراجيف
كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَعَاشِهِ وَ دَخْلَتِهِ وَ قَدْرِ مَا هُوَ مُتَقَلِّبٌ فِيهِ وَ مُنْقَلَبٌ إِلَيْهِ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَصْلُحُ لِعَمَلٍ فَعَلِّقْهُ بِهِ وَ مَنْ كَانَ سَيِّئَ الْحَالِ فَصِلْهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُفِيقُ بِصَرَّةِ[١] حَالِهِ وَ يُفِيدُهُ طُمَأْنِينَةَ بَالِهِ وَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا الرَّهْطِ وَ هُوَ غَنِيٌّ مَكْفِيٌّ إِنَّمَا يُخْرِجُهُ إِلَى دُكَّانِ هَذَا التَّبَّانِ الْبَطَرُ وَ الزَّهْوُ[٢] فَادْعُ بِهِ وَ انْصَحْهُ وَ لَاطِفْهُ وَ قُلْ لَهُ إِنَّ نُطْقَكَ مَسْمُوعٌ وَ كَلَامَكَ مَرْفُوعٌ وَ مَتَى وَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى كُنْهِ ذَلِكَ مِنْكَ لَمْ يَجِدْكَ إِلَّا فِي عَرْصَةِ الْمَقَابِرِ وَ اسْتَأْنِفْ لِنَفْسِكَ سِيرَةً تَسْلَمُ بِهَا عَلَى سُلْطَانِكَ وَ تُحْمَدُ بِهَا عِنْدَ إِخْوَانِكَ فَإِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ نَفْسَكَ عُرْضَةً لِلسُّلْطَانِ عِظْ لِغَيْرِكَ بَعْدَ مَا كَانَ وَعْظُهُ لَكَ وَ لَوْ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْجَرِيرَةِ الْأُولَى مُخَالِفٌ لِلسِّيرَةِ الْمُثْلَى لَكَانَ هَذَا الَّذِي تَسْمَعُهُ مَا تَرَاهُ وَ مَا تَرَاهُ تَوَدُّ لَوْ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ فَإِنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ بَالَغْتَ فِي الْعُقُوبَةِ وَ مَلَكْتَ طَرَفَيِ الْمَصْلَحَةِ وَ قُمْتَ عَلَى سُوءِ السِّيَاسَةِ وَ نَجَوْتَ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْمَأْثَمِ فِي الْعَاقِبَةِ قَالَ وَ فَارَقَ الْوَزِيرُ حَضْرَةَ الْخَلِيفَةِ وَ عَمِلَ مَا أَمَرَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّطِيفِ فَعَادَتِ الْحَالُ بِرَأْيِهِ بِالسَّلَامَةِ الْعَامَّةِ وَ الْعَافِيَةِ التَّامَّةِ وَ تَقَدَّمَ إِلَى الشَّيْخِ التَّبَّانِ بِرَفْعِ حَالِ مَنْ يَقْعُدُ عِنْدَهُ حَتَّى يُوَاسَى إِنْ كَانَ مُحْتَاجاً أَوْ يُصْرَفَ إِنْ كَانَ مُتَعَطِّلًا وَ يُنْصَحَ إِنْ كَانَ غَافِلًا.
عَنِ النَّبِيِّ ص إِنَّ قَوْماً رَكِبُوا سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ وَ اقْتَسَمُوا فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْضِعَهُ فَنَقَرَ رَجُلٌ مَوْضِعَهُ بِفَأْسٍ فَقَالُوا مَا تَصْنَعُ قَالَ هُوَ مَكَانِي أَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتُ فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ نَجَا وَ نَجَوْا وَ إِنْ لَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ هَلَكَ وَ هَلَكُوا
وَ عَنْهُ ع لَا يَزَالُ الْمَسْرُوقُ فِي تُهَمَةِ مَنْ هُوَ بَرِيءٌ حَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَ جُرْماً مِنَ السَّارِقِ
-
أَمَّا بَعْدُ فَآتَاكَ اللَّهُ حِفْظَ الْوَصِيَّةِ وَ مَنَحَكَ نَصِيحَةَ الرَّعِيَّةِ وَ أَلْهَمَكَ عَدْلَ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّكَ مُسْتَوْدَعٌ وَدَائِعَ وَ مُوَلًّى صَنَائِعَ فَاحْفَظْ وَدَائِعَكَ بِحُسْنِ صَنَائِعِكَ وَ نَبِّهْ بِالْفِكْرِ قَلْبَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ رَبَّكَ وَ أَعْطِ مِنْ نَفْسِكَ مَنْ هُوَ تَحْتَكَ مَا تُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَكَ مَنْ هُوَ فَوْقَكَ مِنَ الْعَدْلِ وَ الرَّأْفَةِ وَ الْأَمْنِ مِنَ الْمَخَافَةِ فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكَ بِأَنْ فَوَّضَ الْأُمُورَ إِلَيْكَ فَإِلَيْكَ
[١] الصرة بفتحتين: الشدة من حرب و غيره.
[٢] الزهو كالنصر: الإعجاب بالنفس، الكبر و الفخر. و البطر بفتحتين: الطغيان بالنعمة و الاستخفاف بها جهلا و كبرا فلا يشكرها.