مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٧٨ - موعظة بليغة لرجل كان في الكعبة يشكو ظهور البغى فأرسل إليه المنصور و سأله
وَ أَقْبَلَ مَعَ الرَّسُولِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَقَالَ الْمَنْصُورُ مَا الَّذِي سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ مِنْ ظُهُورِ الْفَسَادِ وَ الْبَغْيِ فِي الْأَرْضِ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ حَشَوْتَ مَسَامِعِي مَا أَرْمَضَنِي[١] فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ آمَنْتَنِي عَلَى نَفْسِي أَنْبَأْتُكَ بِالْأُمُورِ مِنْ أُصُولِهَا وَ لَا اقْتَصَرْتُ عَلَى نَفْسِي فَفِيهَا شُغُلٌ شَاغِلٌ فَقَالَ أَنْتَ آمِنٌ عَلَى نَفْسِكَ فَقَالَ إِنَّ الَّذِي دَخَلَهُ الطَّمَعُ حَتَّى حَالَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْبَغْيِ وَ الْفَسَادِ لَأَنْتَ قَالَ وَ كَيْفَ يَدْخُلُنِي الطَّمَعُ وَ الصَّفْرَاءُ وَ الْبَيْضَاءُ فِي قَبْضَتِي وَ الْحُلْوُ وَ الْحَامِضُ عِنْدِي قَالَ لَهُ وَ هَلْ دَخَلَ أَحَداً مِنَ الطَّمَعِ[٢] مَا دَخَلَكَ إِنَّ اللَّهَ اسْتَرْعَاكَ الْمُسْلِمِينَ وَ أَمْوَالَهُمْ فَأَغْفَلْتَ أُمُورَهُمْ وَ اهْتَمَمْتَ بِجَمْعِ أَمْوَالِهِمْ وَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ حِجَاباً مِنْ الْجِصِّ وَ الْآجُرِّ وَ أَبْوَاباً مِنَ الْحَدِيدِ وَ حَجَبَةً[٣] مَعَهُمُ السِّلَاحُ وَ بَعَثْتَ عُمَّالَكَ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ وَ جَمْعِهَا وَ قَوَّيْتَهُمْ بِالرِّجَالِ وَ السِّلَاحِ وَ الْكُرَاعِ[٤] وَ سَجَنْتَ لَهُمْ نَفْسَكَ فِي قَصْرِكَ وَ أَمَرْتَ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْكَ إِلَّا فُلَانٌ وَ فُلَانٌ وَ لَمْ تَأْمُرْ بِإِيصَالِ الْمَظْلُومِ وَ الْمَلْهُوفِ وَ لَا الْجَائِعِ الْعَارِي وَ لَا الْفَقِيرِ الضَّعِيفِ فَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَ آثَرْتَهُمْ عَلَى رَعِيَّتِكَ يَقُولُونَ هَذَا قَدْ خَانَ اللَّهَ فَمَا بَالُنَا لَا نَخُونُهُ وَ قَدْ سَجَنَ لَنَا نَفْسَهُ فَائْتَمَرُوا عَلَى أَنْ لَا يَصِلَ إِلَيْكَ مِنْ عِلْمِ أَخْبَارِ النَّاسِ إِلَّا مَا أَرَادُوا وَ لَا يَخْرُجُ عَامِلٌ فَيُخَالِفُ أَمْرَهُمْ إِلَّا أَسْقَطُوا مَنْزِلَتَهُ وَ صَغَّرُوا عِنْدَكَ قَدْرَهُ فَلَمَّا انْتَشَرَ ذَلِكَ عَنْكَ وَ عَنْهُمْ أَعْظَمَهُمُ النَّاسُ وَ هَابُوهُمْ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَانَعَهُمْ عُمَّالَكَ بِالْهَدَايَا لِيَقْوَوْا بِهَا عَلَى ظُلْمِ رَعِيَّتِكَ لِيَنَالُوا بِهِ ظُلْمَ مَنْ دُونَهُمْ فَامْتَلَأَتْ بِلَادُ اللَّهِ بَغْياً وَ فَسَاداً[٥] وَ صَارَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ شُرَكَاءَكَ فِي سُلْطَانِكَ وَ أَنْتَ غَافِلٌ فَإِنْ جَاءَكَ مُتَظَلِّمٌ حِيلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ دُخُولِ مَدِينَتِكَ فَإِنْ أَرَادَ رَفْعَ قِصَّتِهِ إِلَيْكَ عِنْدَ ظُهُورِكَ وَجَدَكَ قَدْ نَهَيْتَ عَنْ ذَلِكَ وَ وَقَّفْتَ لِلنَّاسِ رَجُلًا يَنْظُرُ فِي مَظَالِمِهِمْ فَإِنْ جَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَبَلَغَ بِطَانَتَكَ سَأَلُوا صَاحِبَ الْمَظَالِمِ أَنْ لَا يَرْفَعَ مَظْلِمَتَهُ إِلَيْكَ فَأَجَابَهُمْ فَإِنْ كَانَ لِلْمُتَظَلِّمِ مِنْهُ بِهِمْ حُرْمَةٌ فَأَجَابَهُمْ خَوْفاً مِنْهُ وَ لَا يَزَالُ الْمَظْلُومُ يَخْتَلِفُ
[١] ارمضه: احرقه و اوجعه.
[٢] بعض النسخ[ من الطمع و الفساد].
[٣] الحجبة جمع الحاجب.
[٤] الكراع بالضم اسم لجمع الخيل.
[٥] بعض النسخ[ بالطمع بغيا و فسادا].